فن

وجاء اليوم الذي ضحكوا فيه عليّ

د. ضيف الله مهدي

في سنوات غابرة ولكنها مفعمة بالحب والذكريات الجميلة ، كان أبي يرحمه الله يستقيظ قبل الفجر وبعد أن يصلي يشد راحلته ويذهب في الغبيش الجميلة التي تزينها أصوات القماري على الأشجار قق قري .. قق قري .. قق قري ، وزقزقة العصافير ، وأصوات الكلاب والحروب الناشبة بينها .
كان أبي يذهب ولا يعود إلا وقد غاب الشفق وجاء الليل وما وسق حتى وإن كان القمر قد أتسق .. يلبس أبي ملابسه في عجالة من أمره حتى يصل للبلاد البعيدة على حماره التي كنا نسميها (الزنبوح ) من سرعتها ، وكان الحمول المسمى المجدوع في أواخر عمره وهو في المشية مش حلوقها وعادة في عز شبابه . فلا يذهب عليه .. المهم أبي يلبس بعض ملابسه مقلوبة فتلقى أحيانا الفانيلة أبو عسكري لابسها مقلوبة وأحيانا الأزرار من الخلف على ظهره بدلا ما تكون من الأمام .. كان عندما يصل للبيت ونرى فانيلته لابسها مقلوبة نضحك بملء أفواهنا نسمع الجيران .. كانت الغبار قد ارتفعت حتى غطت محياه ووجهه وجبهته وشعره .. كان يقابل ضحكنا بابتسامة تفرحنا ويمازحنا وأحيانا يرقص معنا نحن أبناؤه الصغار حتى وهو في عز التعب كان يرقص معنا ويلاعبنا واحنا نضحك على ملابسه لابسها مقلوبة .
اليوم جاء الرد وضحكت ميسون علي لأني لبست الفانيلة مقلوبة !!
فقد كانت الغرفة مظلمة ولبست وجلست أتغدى معهم وهي تنظر إلي وتضحك وأسألها ليش تضحكين وترد بيدها تشير بها إلى رقبتي وفي الأخير قالت : يا بابا أنت لابس الفانيلة مقلوبة قم غيرها ، في اللحظة ذي عادت بي الذاكرة ٥٥ سنة فتذكرت ضحكنا على أبي وطلبنا منه يغير الفانيلة فهو لابسها مقلوبة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى