فن

الحياة .. من جانب واحد !

المشهد الأول :

في الصباح الباكر
وأثناء انطلاق الناس إلى أعمالهم
رأيت صديقي المقيم ( الفيلسوف )
منفردا في زاوية من الشارع
وسماعاته على أذنيه
وجواله بيده
ويتحدث باستغراق
حتى لايكاد يشعر بما يموج حوله من حركة بشر وسيارات وغيرها
يجلس أحيانا
ويقف أحيانا
ويمشي أحيانا
ثم يعود ويجلس
ثم يقف
ثم يمشي
ويظل على هذه الحال قرابة الساعة
يرفع صوته أحيانا
ويتكلم بهمس أحيانا
يضحك أحيانا
ويعبس أحيانا أخرى
وتدمع عيونه أحايين كثيرة أثناء المكالمة
وعند قرب أنتهاء المكالمة
تتقلص ملامح وجهه
ويتحشرج صوته
ويتلعثم لسانه
ثم بعد أن يقفل
يجلس مكانه لساعة أخرى مستمتعا بحالة التواصل المليء بالمشاعر الإنسانية
يجلس متلذذا باسترجاع الكلمات التي سمعها بكل تفاصيلها
ثم يسرح خياله ليتخيل نفسه معهم يراهم بعينيه ويسمعهم باذنيه بشكل مباشر
ثم يتنهد تنهيدة عمييييييييقة جدا تكاد تقطع كل المسافات لتصل إلى أهله وتقول لهم جميعا :
أحبكم والله
ومشتاق لكم

المشهد الثاني :

يقول :
كلهم يقولون لي تعال
ماما وبابا والمدام والأولاد
لأني إذا سافرت احرص على اسعادهم بكل السبل
لأعوض نفسي وأعوضهم عن غيابي عنهم
أجلس معهم معظم الوقت
أتحدث معهم كثيرا
أمازحهم كثيرا
أحضر لهم الهدايا
وألبي لهم كل طلباتهم ورغباتهم الكبيرة والصغيرة

لكنهم لا يعلمون
أن السفر إلبهم باستمرار يعني أن تقل قدرتي على اسعادهم
وأنه كلما طال غيابي عنهم
كلما أزددت قدرة على اسعادهم
إنها معادلة خالية تماما من الإنسانية
ولكنها واقع يعيشه كل المقيمين المغتربين عن أهاليهم وفي كل الدول
معادلة
نموت .. ليحيون
ونغيب .. ليسعدون
ونحرم أنفسنا .. ليهنأون

فنحن في الغربة محرومون من كل المشاعر الإنسانية
التي نحتاجها لنحافظ على نفوسنا من الجمود وعلى إنسانيتنا من الموت
فلا الأكل ولا النوم ولا الملابس الجديدة تسعدنا كما هو حال الآخرين
ولا سماع الأغاني وحضور الاحتفالات والمهرجانات تسعدنا
فالأصل أن السعادة تكون من داخل الإنسان من حياته الخاصة من أحداث ومواقف تمس روحه مباشره
ثم يستمتع بالأحداث الخارجية لأن نفسه مرتاحة
ونحن معظم أحداث ومواقف حياتنا جامدة عمل وأكل ونوم
فنحن نغيب للعمل سنوات
ونلتقي أهالينا شهور

نعم نحن محرومون من ابتسامات الأمهات والآباء ابتسامات الرضى التي تملأ القلوب بالتفاؤل

ومحرومون من مداعبة وممازحة الأطفال بكل ما تمثله من معاني البراءة والسمو والجمال
والتي تملأ النفوس بالحماس والبهجة وحب الحياة

ومحرومون حتى من همسات وغمزات ودلال الزوجات
والتي تضخ دماء الخلود في الأرواح !

وهذا ما يجعل بعضنا حينما يسافر
يفقد احساسه وتتبلد مشاعره
فيتعامل مع أهله تعامله في الغربة مع بيئة العمل
ويسيطر عليه الصمت والشرود وهو مع اهله
ولا يتجاوب بسهولة مع مشاعرهم وتصبح هذه طبيعته باستمرار
بينما البعض الآخر وليحافظ على انسانيته تجده يرتبط وجدانيا بالطبيعة فتجده يزرع بعض الاشجار ويعتني بها
أو يربي بعض الحيوانات كالقطط والدجاج والبط
بحيث يتولى تربيتها والاهتمام بها
ليشغل نفسه من ناحية وليشعر بالراحة النفسية
من ناحية أخرى
وليحافظ على مشاعره من التبلد والموت
خاصة ونحن نعيش العزوبية على كِبَر
وعزوبية الكبار غير عزوبية الشباب
لأن الكبار نفوسهم ضيقة
فتجدهم لايتحملون أبسط الأمور ويغضبون بسرعة
فنحاول أن نشغل انفسنا قدر المستطاع

المشهد الأخير :

باختصار ..
نحن نعيش الحياة من جانب واحد فقط
وهو الجانب المادي
الذي هو
الجانب الجاف
والجانب المظلم
من الحياة

لكنه يبقى بكل أسف..
الجانب الأهم للبقاء ..!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى