02 ذوالقعدة 1442
اخبار عاجلة
news image

الغرفة 306

أضواء المستقبل بتاريخ 09 مايو 2021

القاصة : حضية عبده خافي

صعقت هيفاء لما قاله الطبيب ، واتكأت على جدار غرفتها لوهلة من هول الموقف ، ثم شرعت تفكر في مصيرها ، تداعت إلى مخيلتها لحظات سوداء قاتمة ، وأمور مؤلمة ، كان كل شئ يتحطم أمامها .. لا . لا . لا.. أبنائي .. أمي .. أخوتي .. زوجي ،  كأن كل شئ توقف للحظة ، ثم سقطت على الأرض مغمى عليها .
تجمع الأطباء والممرضات ولكن رفض الكل الاقتراب منها ، ومن بين الجميع كان زوجها يسارع لرفعها ، لكن سرعان ما همس الطبيب له بأنه لا يعرف ما بها من مرض ، ورغم ذلك سندها إلى أن وقفت لتعود لسريرها ، ثم أخبرها بأنه سيغيب عنها ـــــ قليلا ـــــ ليحادث الطبيب المختص ثم يعود إليها .
كانت تلك اللحظات الصاعقة في مرحلة معاناة هيفاء تدخل يومها الثالث ، حيث كانت بداياتها في صباح يوم جميل من بداية الأسبوع ، حجبت فيه بعض الغيوم أشعة الشمس المرسلة لهذا الكون ؛ لتحيل سماءه لمنظر شاعري خلاب ، العصافير تردد تسابيح الصباح ، والأزهار تعطر الأرجاء بأريجها الفوَّاح ، والمخلوقات تسترجي من خالقها أن يجعله يوم خير ورزق وبركة .
استيقظت هيفاء قي ذلك الصباح كعادتها لتُجهِّز طفليها للذهاب إلى المدرسة ، لكنها شعرت بأن ثمة شيء مختلف اليوم ! فهو اليوم الأول لدوامها بعد انتهاء إجازة الأمومة التي منحت لها ؛ وفيه ستعود لممارسة عملها في قسم الباطنية بالمستشفى الذي تعمل به .
بعد أن أمنت هيفاء رضيعها وغادر ابناها نحو مدارسهما وقفت خلف باب بيتها الموارَب مسترقة النظر عبره في انتظار السيارة التي ستقلها إلى مقر عملها ، حملت حقيبتها بعد أن تلقت اتصالا من زميلتها هند تدعوها للخروج .
حضرت السيارة التي ستقلهن إلى مقر العمل غير أنها لم تشاهد زميلتها سارة بجوار هند ، سألت عنها زميلتهما هند ؛ لتجيبها ضاحكة بأنها نسيت بعض أغراضها كعادتها ! هنا كان لابد للسائق أن يعود إلى منزل سارة ـــــ مرة أخرى ـــــ لاصطحابها ؛ مما أخرهن عن موعد بداية الدوام قليلا .
وصلت هيفاء وبرفقتها كلٍّ من هند وسارة ، وتوجهن لقسم الإدارة ؛ للتوقيع في قائمة المتأخرين .  كانت الابتسامة تعلو وجوههن ؛ فهذه هي المرة الأولى التي يتأخرن فيها عن موعد دوامهن بهذه الصورة .
غادرت هيفاء وزميلتيها قسم الإدارة وتوجهن نحو أقسامهن ؛ لمباشرة أعمالهن ، وحين وصول هيفاء إلى قسمها وجدت زميلاتها قد تم توزيعهن وتسليمهن كافة الحالات الموجودة بالقسم ، حينها توجهت لمكتبها بعد أن سلمت على زميلاتها المسؤلات عن نوبة الليل حيث قامت بتعبئة أوراق المباشرة لرفعها لشؤون الموظفين .
بدأ ذلك اليوم  هادئا، فلم يتجاوز عدد المرضى المنومين في القسم الخمسة عشر مريضا ، ثم ابتدأ مرور الأطباء الساعة التاسعة والنصف على جميع المرضى ، وعند وصولهم إلى الغرفة ما قبل الأخيرة تلقت هيفاء اتصالا من قسم الطوارئ يبلغها بأن هناك حالة تنفسية حرجة تحتاج  إلى التنويم في العزل ، تركت هيفاء زميلاتها يكملن المرور مع الأطباء وتوجهت لتجهيز غرفة المريضة الجديدة .
شرعت هيفاء في تجهيز ملابس الوقاية الشخصية الخاصة التي لم تكن مكتملة في ذلك الوقت ؛ بسبب عدم استطاعة المناوبين في الفترة المسائية من تحضيرها لعدم توفر بعض عناصرها لديهم ؛ ولكون كوادر الفترة الصباحية لم تكمل عملية إحضار الطلبات من المستودع بعد ،حضرت المريضة وبرفقتها ممرضة الطوارئ والمرافقة للقسم ، أخذتهم هيفاء إلى الغرفة المخصصة مباشرة ، وتم تسليم الحالة للقسم ، في حين نسيت هيفاء أن تسأل عن نوعية العزل المطلوب لتلك المريضة ، كما أن هناك بعض النواقص لم تصل من المستودع ، بدأت ملامح الإعياء الشديد على تلك المريضة ومع انشغال هيفاء بها غادرت ممرضة الطوارئ  .
أخذت هيفاء قياس الضغط والحرارة والوزن وبعض الإجراءات الطبية الأولية المطلوبة ، ثم أفهمت المريضة ومرافقتها بضرورة التزام المكوث في تلك الغرفة وعدم مغادرتها إلا للضرورة القصوى ، ثم شرحت لهما طريقة استدعاء الممرضات بواسطة الجهاز الموَصَّل بسرير المريضة ، وما أن انتهت حتى كانت زميلاتها قد انتهين من المرور ، حيث كانت كل واحدة منهن مشغولة بما طلبه الطبيب منها خلال المرور . أكملت هيفاء إجراءاتها مع المريضة في حين  بدت حرارة المريضة مرتفعة قليلا ، وبدأت تعاني من صداع يرافقه سعال فسارعت هيفاء لطلب الطبيب المسؤول عن تنويم الحالة .
دق الطبيب جرس القسم مستأذنا في الدخول في الوقت الذي علا فيه صراخ المرافقة من داخل تلك الغرفة ـــــ المسؤولة عنها هيفاء ـــــ طالبة المساعدة لمريضتها ، حيث بدأت تشعر بضيق في التنفس ، بدأت أعراض ضيق التنفس تزداد على المريضة وتسارعت وتيرتها فسارعت هيفاء لتشغيل جهاز الأكسجين ليقاطعها الطبيب طالبا منها إحضار جهاز الصدمات أيضا ، مر كل شئ  في ذلك اليوم كالحلم ؛ نداء طلب الأطباء ، ابتداء عملية إنعاش القلب الرئوي الذي أنتهى  بنقل المريضة للعناية المركزة لتكون تحت العناية الفائقة والمتابعة المستمرة.
عم المكان الصمت ، وعادت هيفاء إلى مكتبها بعد أن سلمت تلك المريضة إلى قسم العناية المركزة ، رفعت سماعة الهاتف ؛ لتتحدث مع سارة في قسم العلاج الطبيعي لكنها لم تجدها .
انتهت النوبة الصباحية بعد الثالثة والنصف عصرا ، وتم تسليم كافة الحالات لمسؤولي النوبة المسائية ، كانت سارة لم تفرغ من عملها بعد فخرجت هيفاء ؛ لانتظارها وزميلتهما هند في حديقة المستشفى تعصف بمخيلتها أحداث اليوم الأول لدوامها ولم يقطع استغراقها إلا إرتطام كرة طفل كان يلعب في الحديقة بها.
وصلت سارة مع هند لمكان جلوس هيفاء ، وسرن نحو تلك السيارة التي سترجعهن إلى دورهن ، كان الصمت رفيقا لهن في طريق العودة ، نظرت سارة إلى هند وهي تشعر بأنها قد عرفت عن الموضوع ولم تحاول حتى الإتصال بها والإطمئنان عليها ، وعلى طول المسافة كانت هيفاء صامتة ولم تتحدث بشيء ، بينما  كانتا هند وسارة تتهامسان.
حين وصلت هيفاء إلى منزلها كانت الأحداث لا تزال تعصفُ في رأسها ، حاولت أن تتناسى الموضوع لعله يتلاشى بين عنايتها برضيعها وضجيج بنيها ، وتنافسهما في استذكار دروسهما وحل واجباتهما ؛ كتلوين ابنتها ( حنين ) لكراستها ، وحل ابنها ( يحيى ) لمسائل الرياضيات المقررة عليه ، وغير ذلك ، إلا أنها فشلت في ذلك وظلت مشتتة الأفكار سيما بعد ورود مكالمة لها من قسم مكافحة العدوى بالمستشفى تخبرها بالشروع في إجراء عدة تحاليل مخبرية لتلك المريضة ، دخلت هيفاء غرفتها بعد أن أنتهت من الإشراف على حل واجبات ابنيها ، وتيقنها بأنهما قد خلدا إلى النوم ، حاولت عبثا الخلود إلى النوم فلم تتمكن من ذلك ، كانت الهواجس تذبحها من الوريد للوريد ، والانتظار يمزقها أربا أربا ، غيرت وضع وسادتها ، بللت رأسها بالماء ، لفت فوق عينيها بمنشفة لكن دون جدوى ، باتت تتقلب منتظرة على صفيح ساخن شروق شمس يوم الغد  لتعرف نتائج تحاليل تلك المريضة ، وذلك الداء الغامض الذي ألم بها .
مع أولى أشعة شروق الشمس اليوم أدركت هيفاء أن الوقت سيطول بها لو أنها انتظرت السيارة التي ستوصلها إلى المستشفى ، وتذكرت أنه يوم خميس وبإمكان زوجها أبي يحيى توصليها بنفسه ، رفعت جوالها ؛ لتعلم السائق الذي أخبرها بأنها كانت هي الوحيدة التي ستستقل سيارته اليوم ، أما زميلاتها البنات فقد حجرن في منازلهن ، دمعت عينا هيفاء وأقفلت الخط والشكوك تراودها ، توجهت للمستشفى واضعة كمامة على وجهها ، وحين وصولها توجهت لقسم توقيع الحضور وجميع زميلاتها ينظرن إليها بغرابة ، توجهت لقسم مكافحة العدوى وعند وصولها كان طبيب مكافحة العدوى غير موجود ؛ فقد منح إجازة أسبوع لإصابته بعدوى .
جلست هيفاء في غرفة انتظار صغيرة تترقب حضور من ينوب عنه من القسم لتتحدث معه ، بعد قليل حضرت الممرضة الفلبينية ( آسي ) مسؤولة عن القسم وطلبت من هيفاء بضرورة أخذ مسحة من الأنف ، وأخبرتها بأن عليها أخذ إجازة إلى حين ظهور النتيجة  وسألتها عن بعض الأعراض المرضية إن كانت قد أحست بها ، لكن كل إجابات هيفاء كانت بالنفي .
حضر الطبيب المناوب مرتديا ملابس الوقاية البيضاء ؛ كونه ملتحيا ويمنع عليه معاينة أي حالة اشتباه أو إصابة بدون استخدامها ، وأضاف لما قالته الممرضة آسي : إن المريضة التي نزلت في العزل ـــــ لديها في القسم ــــــ كانت مصابة بمتلازمة الشرق الأوسط ، وأوصاها بضرورة العزل المنزلي .
انهت هيفاء كافة الفحوصات المطلوبة منها ثم استأذنت متوجهة لمنزلها . وحين وصولها كان أبناؤها قد استيقظوا ، حيث أطلع زوجها ابنيه على ضرورة عزل والدتهم في ملحق المنزل لإصابتها بمرض بسيط .
مضت ثماني وأربعين ساعة على مخالطة هيفاء لتلك المريضة ، وبدأت تشعر بسخونة وقشعريرة في جسدها ، تبعها التهاب في الحلق ، حاول زوجها مدها بالعلاجات والأغذية اللازمة لكن دون جدوى ، في حين حاولت هي الاتصال بالممرضة آسي ؛ لعلها تجد لديها الرد ، لكن الممرضة سرعان ماطلبت منها الحضور والتوجه لطوارئ العزل مباشرة دون مرافق لها ؛ لمتابعة حالتها ، خرجت هيفاء وزوجها متوجهين إلى لمستشفى ، وفي الطريق حاولت هيفاء مصارحة زوجها لكنها لم تستطع رغم تكرار سؤاله لها عن سبب رفضها لمرافقة أخته لها إلى أن تتحسن حالتها ، فهو لم يكن سوى مجرد إشتباه.
عندما وصلت هيفاء إلى المستشفى رفضت أن يدخل معها زوجها ، وطلبت منه الانتظار في السيارة ، وفي قسم الطوارئ أُخذت لغرفة العزل الموجودة به ؛ لتحجز هناك ، واُعلنت الطوارئ لحالة إشتباه بمرض معدٍ ، ريثما يحضر الطبيب المختص ،مرت الساعات وزوج هيفاء يحاول الاتصال بها لكن لا توجد شبكة في قسم الطوارئ وخاصة العزل ، غير أنه سرعان ما ترك سيارته متجها نحو الطوارئ التي كانت مزدحمة بالمرضى والأطباء ، وكلٌ مشغول بمهامه ، ولم يعيره أي شخص بشيء من الاهتمام ، حينها قرر الجلوس على أحد كراسي الانتظار ليجد من يسأله .
مر الوقت بطيئا وهيفاء تنتظر أن يرد عليها أحد من الأطباء أو الممرضات لكن لم يمر عليها أحد ، حاولت التواصل مع أطباء قسمها بالاتصال ولكن الشبكة السيئة حالت دون ذلك ، بعد قليل شعرت هيفاء بالعطش فقررت الخروج للبحث عن عامل أو عاملة ؛ ليشتري لها الماء ، وعند اقترابها من الباب سمعت صوت الدكتور محمود طبيب الطوارئ يتحدث لشخص أخر قائلا : إنه يستحيل عليه الدخول والكشف على تلك الممرضة في الغرفة 306 ؛ خاصة وإن  جميع الأعراض فيها واضحة ، والأدهى من ذلك نتائج التحاليل الإيجابية .
انتظرت هيفاء عودة زوجها إليه بعد محادتثة للطبيب لكنه كان قد رحل من المستشفى ، بينما ظلت المسكينة طوال ذلك اليوم في عزل الطوارئ دون حراك ودون أن يتوجه لغرفتها أحد ؛ حتى العمالة المتواجدة في القسم .
عند اقتراب الساعة الواحدة ليلاً حضر الطبيب وظل واقفا عند الباب مخبرا إياها بأن نتائج التحاليل كلها إيجابية وأنها مصابة بفيروس ( كوفيد نايتين ) المعروف بـــ ( كورونا ) ، ولا بد من عزلها الأن بالقسم الخاص بمرض كورونا ، نقلت هيفاء لغرفة العزل الخاصة بوباء العصر ( كورونا ) والصمت يخيم عليها من كل جانب ، وهي تنظر لمن حولها وهم يرتدون ملابس الوقاية الخاصة وكأنها في حلم .
دخلت هيفاء لحيز العزل وجلست على السرير المخصص لها وشرعت في البكاء دون توقف إلى أن غلبها النوم ، كان الوقت في تلك الليلة طويل جدا ، خيم السكون عليها وعلى زميلاتها ، ولم تفكر أي واحدة منهن في التوجه إليها للإطمئنان عليها ، أو حتى ترى ماقد تحتاجه ، فقد سيطر خوف رهيب على الموقف مما زاد من سوء نفسية هيفاء .
أستيقظت هيفاء في صباح اليوم الثالث باكرا ، تمنَّت الخروج من الغرفة لكن خوفها على زملائها من العدوى منعها من ذلك ، ترددت في طلبهم لكنها قررت ألا تغامر ((خسارة شخص أفضل وأقل من خسارة مجموعة )) .
حملت هاتفها محاولة الإتصال بأبي يحيى لكنه لم يرد ولم يحاول حتى الإتصال  بها ليلتها ؟؟؟
توضأت هيفاء لأداء صلاة الفجر ، وبعد أن انتهت جلست رافعة يداها قائلة : “اللهم لا نسئلك رد القضاء ولكن نسئلك اللطف فيه” ، ثم نهضت وجلست على سريرها الأبيض وتمنت أن تغادر المستشفى ولكن إلى أين ؟
زوجها خائف على نفسه ، وأولادها لا تعلم عنهم شيئا ، أمها كبيرة في العمر ، زميلاتها وزملاؤها خائفون ، لارفيق في هذه الغرفة إلا المرض يصارعها بأعراضه المتواصلة التي بدأت تنخر جسدها ، وكلما حاولت النسيان لا ترى طريقا غير الفناء الحتمي .
تباطأت نبضات قلب هيفاء وشعرت ببرودة أطرافها ، ورغم ذلك لم تحاول استدعاء الممرضات ، وحين ازداد ضيق التنفس في صدرها انطوت على نفسها في صراع مرير وأغمضت عينيها .

اعجاب ومشاركة :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*

*