13 رَجَب 1442
اخبار عاجلة
news image

ضوء

أضواء المستقبل بتاريخ 21 فبراير 2021

الوعد

شاهدت قبل أيّام قليلة وللمرة الثانية، الفيلم السينمائي الأمريكي (الوعد)، الذي يوثق المجازر التي فعلها الأتراك إبان الإمبراطورية العثمانية في الشعب الأرمني، ودور فرنسا في إنقاذ أكثر من أربعة آلاف أرمني مدني من جبل موسى، وحملهم عبر البحر إلى فرنسا.
وكان دور أمريكا-بحكم أن الفيلم صنعته هوليود- يتمثل في دور صحفي أمريكي يحاول توثيق ما يحدث، ويتعرض للسجن والصعوبات بسبب مهنته.

ويشعر المُشاهد العربي بدور أمريكا الخبيث والمتفرج على تلك المجازر، مجازر يَندى لها جبين الإنسانية، وتُجبر الدمع أن يفرّ من المقل.

تعرض الأرمن إلى مذبحتين، تبعتهما إبادة جماعية راح ضحيتها أكثر من مليون أرمني، وسُجلت هذه المذابح كواحدة من أسوأ الجرائم ضد الإنسانية.

وتشير الأحداث التاريخية عام 1877م، إلى نشوب الحرب الروسية العثمانية التي استمرت لمدة عام، وانتهت بهزيمة العثمانيين، بعدها تم توقيع (معاهدة سان ستيفانو)، وحصل الأرمن على نص المادة (61) في المعاهدة، والتي تقضي قيام الدولة العثمانية بعمل إصلاحات في الولايات الأرمينية وبإشراف روسي.

وتدخلت بريطانيا خوفا من النفوذ الروسي للتحكم في طرق التجارة العالمي، فاعترضت على المعاهدة، وطلبت مفاوضات جديدة، وحدثت المفاوضات وانتهت بتوقيع (اتفاق برلين) في مايو 1878م.

وقبلها وقعت بريطانيا مع الدولة العثمانية اتفاقية دفاع مشترك، حصلت بموجبها على جزيرة قبرص، مما سهل لها الوصول إلى ميناء الإسكندرية، واحتلال مصر عام 1882م، وهو الهدف الحقيقي الذي كانت تسعى من أجله بريطانيا.

وقامت السلطات العثمانية بتأسيس الفرق الحميدية، وهي ميليشيات مسلحة، وحدثت المذبحة الأولى للأرمن بين عامي 1894-1896م، وراح ضحيتها أكثر من 100 ألف.

فأرسلت الدول الكبرى تهديدات للسلطان العثماني الذي ألغى مشروع الجامعة الإسلامية وطرح فكرة الرعاية العثمانية، وهي الفكرة التي استغلها اليهود للدخول إلى فلسطين وشراء الأراضي الفلسطينية، وقاموا بتصوير الأراضي غير العامرة في فلسطين وأرسلوها للصحف الأجنبية، وفي الوقت نفسه كانوا ينشرون بجوار تلك الصور معسكرات اليهود في أوروبا وروسيا للمقارنة بينهما، ويكتبون بالخط العريض: هنا شعب بلا وطن، وهناك وطن بلا شعب. وكانت هذه النواة الأولى لمشروع وعد بلفور الخبيث.

وحدثت صراعات بين أنصار السلطان عبدالحميد الثاني ممن أطلق عليهم الرجعيون الراديكاليون، والأحرار الدستوريون، وفي خضم تلك الصراعات، وقعت مذبحة الأرمن الثانية عام 1909، وراح ضحيتها 30 ألف أرمني.

وبعد تلك الأحداث، وشعور الإمبراطورية العثمانية بالضعف والزوال، ظهرت فكرة تأسيس دولة تركية نقية الدماء، والتخلص من كافة الملل الأخرى وتهجيرها. وعقب اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، بدأ تنفيذ تلك الفكرة مستغلين انشغال العالم كله بالحرب.
وبدأت حملات تهجير الأرمن قسراً، وأطلقت السلطات العثمانية المسجونين ممن يُطلق عليهم المتوحشون، وشكلت منهم ميليشيات لإجبار الأرمن على الهجرة إلى سوريا.

سار الآلاف من الأرمن على أقدامهم في ظروف قاسية، دون طعام أو شراب إلى حلب، وتسابق المتوحشون إلى بقر بطون الحوامل من النساء، وقتل من يتوقف منهم عن السير طلباً للراحة، وارتُكبت مذابح وثقها المحامي السوري (فايز الغصين) الذي كان في تلك الأثناء منفياً، وفي طريقه للمنفى شاهد بعينيه تلك الفظائع وجمعها في كتابه (المذابح في أرمينيا)، وأصدره عام 1917م، ونشرت المقطم المصري مقتطفات منه.

وبلغ عدد الضحايا في تلك المذابح مليونا ونصف، بحسب الأرقام التي أعلنها الأرمن، وحينذاك أصدر الشريف حسين مرسوماً لجميع القبائل بإيواء الأرمن واستضافتهم وحمايتهم، فيما جمعت المدن المصرية أموالاً لرعاية المُهجرين منهم، الذين فروا من رحلات التهجير الجماعي والمذابح الجماعية ولجأوا إلى مصر ودول الشام.

ونحن بالطبع مع الشعب الأرمني، ومع كل شعب يتعرض للقمع والقتل والتهجير، لكن تلك المجازر فعل مثلها وأكثر الصهاينة وعصاباتهم في الشعب الفلسطيني، منذ عام ١٩٤٧ وحتى الآن.

المجازر الصهيونية وسفك الدم الفلسطيني مستمر، بقروا بطون الحوامل، وقتلوا الأجنة في أرحام أمهاتها، قتلوا النساء والأطفال والشباب والشيوخ، أبادوا قرى بأكملها، قتلوا المدنيين بكل أنواع الأسلحة، بالرصاص وبالسلاح الأبيض والمتفجرات والحرائق والإعدامات الجماعية، قتلوا الأطفال في الشوارع، قتلوا الأسرى، هدموا البيوت على رؤوس ساكنيها، سمموا المياه لقتل البشر والبهائم، حرقوا الشجر والبساتين، أبادوا الضرع والزرع، فعل الصهاينة كل ذلك وأكثر، في كل قرية ومدينة فلسطينية لوثت أقدامهم ترابها، من أجل تهجير شعب بأكمله، وتركه في العراء بلا مأوى، وتشريده في كل بقاع الأرض، واستبداله بشعب مُهجن آخر.

فهل تتجرأ هوليود على توثيق الهولوكست الفلسطيني؟ أم أن ذلك يُعدّ من سابع المستحيلات؟

 

الدكتورة أنيسة فخرو
سفيرة السلام والنوايا الحسنة
المنظمة الأوروبية للتنمية والسلام
21 فبراير 2021

اعجاب ومشاركة :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*

*