04 جُمادى الآخرة 1442
news image

صديقي .. الذي أنار طريقي! ،،، بقلم : أحمد بن حسين الأعجم

بتاريخ 03 ديسمبر 2020

هو جاري شاب أصغر مني بخمس عشرة سنة تقريبا كنّا نلتقي في المسجد حيث نظل نتحدث أحيانا من المغرب إلى العشاء!! هذا وهو في نهاية المرحلة المتوسطة بينما أنا معلم منذ عشر سنوات  كان شابا طموحا متفتح العقل كثير القراءة والكتابة حتى أن ثقافته اكبر من سنه بكثير وهو ما أوجد بيننا توافقا فكريا جميلا 

أذكر أنه كان يراسل شركات في الأردن عن طريق البريد ترسل له كتب وكان وعي والده عونا له في ذلك 

واستمرت علاقتنا طوال المرحلة الثانوية حيث نلتقي عند المسجد وفي بيتي أو نخرج في السيارة وبعد الثانوية كان محتارا بين الالتحاق بكلية المعلمين في أبي عريش كمعظم زملائه في الثانوية أو الذهاب إلى المنطقة الغربية للالتحاق بإحدى الجامعات كما كان يحلم ويتمنى فشجعته على السفر والالتحاق بالجامعة ووافق له والده وفعل وأذكر أني كتبت له رسالة تشجيعية ووداعية بعنوان ( إلى المسافرين الى الشمس ) 

وفعلا ذهب إلى المنطقة الغربية والتحق بإحدى الجامعات كان هذا عام ١٤٢١ وهناك انفتحت له ولي معه أبواب السماء ثقافة واطلاعا حيث اكتشف عالما مختلفا تماما من المعرفة غير ما كنّا نعرفه وغير ما تعلمناه وكان سنه سن استكشاف وبحث فضلا عن شغفه وحينما يعود في الإجازات كنّا نجلس معا كثيرا وكان يصدمني بمعلومات جديدة تماما علي وأنا المعلم !! حيث كان يتناقش مع أناس مطلعين من دكاترة الجامعة أو زملاء له فضلا عن اطلاعه على كتب لم تكن تتوفر هنا في المنطقة 

فكان يقول لي  : تصدق الأمريكيين ما صعدوا للقمر ؟

فاندهش لأنها كانت معلومة ثابتة في عقولنا من الإعلام 

فيقول : السؤال لو كانت حقيقة لماذا لم يكرروها ؟

ثم يقول : المنهج الذي تدرّسه أنت للطلاب معظمه غير صحيح وخاصة تاريخ الدولة العثمانية فالمنهج جعل منها دولة مقدسة بينما تاريخها كما فيه إيجابيات مليء أيضا بالسلبيات 

فأقول : لا لا إلا التاريخ 

فيعطيني كتابا يحلل الأمر !

وأجد معلوماته منطقية 

ثم يحكي لي موقفا حدث له مع رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بسبب تأخره في مكتبه وقت صلاة  ويضيف قائلا ترى الهيئة بدعة فلم تكن موجودة عبر التاريخ الإسلامي كله وإنما ظهرت قريبا فاندهش وأقول له : اتق الله يارجل فقد كنت أقدسها !!

فيرد علي خذ هذا الكتاب وأقرأ تاريخ ظهورها 

ويسافر وانغمس في قراءة الكتب ويستمر تواصلنا بالتلفون 

وأنا أقرأ يمر أمامي شريط سينمائي لدراستي في المعهد العلمي وكيف تم تشكيلنا  فكانوا يحرمون علينا كرة القدم ولا توجد حصص رياضة أبدا

ويوم استلام المكافاة لابد أن تحلق شعرك مكينة بحجة أنها سنة مع أن الرسول الكريم كان كثيف الشعر 

ثم في سكن جامعة الإمام محمد بن سعود بأبها التلفزيون ممنوع لأنه حرام 

وكنت كغيري اتساءل وأقارن ولا أجد إجابات!! سوى اسكت ! بل أذكر أنني عوقبت بسبب بعض الأسئلة والمقارنات في المعهد العلمي وفِي الجامعة  أيضا عوقبت بسبب كثرة مناقشاتي ..ومع الوقت والدراسة ثم التخرج والعمل والزواج أصبحت 

لا أهتم لشيء  

لكني بدأت أراجع وأتراجع واسترجع تساؤلاتي بعد أن انفتحت أمامي الأبواب المغلقة بفضل صديقي 

وحينما يعود يسألني : أخبارك فأقول :

شكرا يا صديقي لقد أنرت طريقي

واشعلت نور البحث في عقلي 

واستمر يزودني بالكتب بكرم عظيم حيث بعد التخرج عمل في المنطقة الغربية واستقر بها 

وانطلقت أقرأ بعيدا عن خطّي الأول في القراءة تماما بعد أن دلني عَلى كتب دين مختلفة عما نعرفه وكتب تاريخ حديث وفكر وفلسفة وروايات وقصص بل أذكر أنه أحضر كل دواوين نزار قباني كاملة ( كانت ممنوعة )فكانت هدية لا تقدر بثمن 

وكان يحضر معارض الكتب في جدة والرياض فنتفق ونكتب ما نريده من كتب معا حتى لا نكرر الكتب

وكان من أجمل ما قرأت مجموعة ( مدن الملح ) كانت ممنوعة والتي لم اقرأ بحياتي سردا ووصفا ولغة ادبية راقية كما في مدن الملح ابدا ابدا حتى اني قراتها مرتين وما زلت أتوق لقراءتها 

وهكذا كانت سنوات صديقي  الجامعية من عام ١٤٢١ إلى ١٤٢٥  وما بعدها هي  (سنوات الضياء ) 

بالنسبة لي في تغيير طريقة التفكير والقراءة النقدية للكتب والأحداث 

بعد الكثير من (سنوات الضياع) !!

في القراءات المعلّبة!

 

اعجاب ومشاركة :

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*

*