10 صَفَر 1442
news image

( علي المشيخي والثراء المعرفي) ،،، بقلم ؛ د.علي جمال الدين هيجان.

التحرير بتاريخ 10 سبتمبر 2020

إن علائم النجابة وملامح الفطانة وخصائل اللباقة ليست حكرا على الصروح الجامعية والمراكز العلمية والمنابر الثقافية، بل هي سمات فطرية استودعها الله فئة من البشر حتى في الأماكن النائية والأطراف القصية، وعلى عاتقهم يقع عبء نشر المعرفة وإشاعة الثقافة وإضفاء البهجة في حال تهيئة البيئات المناسبة وحدوث المحفزات المطلوبة،
ويعتبر الشيخ علي بن يحي المشيخي
يرحمه الله أحد أبرز الرموز الريفية الثقافية المتفردة في محافظة الدرب
وتحديدا في مدينة الشقيق وتوابعها
حيث نبغ وهو لما يزل في سن اليفاعةالمبكرة
ولمع نجمه وذاع صيته وشاع ذكره في الوسط الاجتماعي حتى بات الأبرز والأشهر في حلق الذكر والرياض العلمية والمسامرات الثقافية
والفعاليات التراثية والمناشط الرياضية ، بالرغم من أنه لم يتلق تعليمه في المدارس النظامية ولايوجد قريبا من مقر سكناه في قرية(الصقعان) حواضن ثقافية ومناهل معرفية..وهنا يبرز سؤال جوهري وملح وهو:
كيف أمكن للشيخ علي بن يحي المشيخي أن يتبوأ كل هذه المراتب العلمية والثقافية والتراثية السامقة وهو الفلاح المكافح في بيئة قروية
بحتة؟..ولكوني أحد العارفين به واللصيقين بنضاله الاجتماعي لأكثر من خمسين عاما ، فإنه يمكني ودونما تردد أن أسلط الضوء على المسارات والمناهل التي اغترف منها العلوم النافعة والمعارف الثرة والثقافة الأصيلة..ومن ذلك:
* شغفه بالإذاعة السعودية وتحديدا الراديو ، إذ يعد جامعته الأولى التي كان يرهف سمعه لبرامجها المتنوعة
في القرآن والمحاضرات والندوات والفتيا وخطب الحرمين الشريفين، والفعاليات الثقافية والأدبية، ومناقشة الرسائل العلمية والمسابقات الثقافية والحفلات المنبرية الخطابية
وخطب الملوك والأمراء والرؤساء والتي كانت تستهويه وتخلب لبه،
وكان قوي الحافظة حاد الذاكرة
مما سهل عليه حفظ الكثير مما كان
يقع على مسامعه ويوافق اهتماماته.
* التحاقة بالكتاتيب( المدرسة القرعاوية) ولفترة قصيرة من الزمن
حيث حل بدلا منها التعليم النظامي،
وتعلم من خلالها مبادئ القراءة والكتابة، ولم يتسنى له الالتحاق بالتعليم النظامي نظرا لكبر سنه، وبسبب احتياج أسرته الماسة إليه
لإدارة احتياجاتها المعيشية ورعاية
مصالحها الرعوية والزراعية..وبالرغم من أنه درس بعد أن تقدم في العمر في مكافحة الأمية، فإنها لم تضف إليه جديدا بل هو الذي أضاف إليهم الكثير حتى عدوها خبيرا نهلوا من نافع علومه ومعين ثقافته.
* حضور المناشط الدعوية على ندرتها وتواصله مع الوعاظ والمرشدين وطلاب العلم،في محيط بلدة الشقيق وما جاورها.
* مجالسته المستمر لفضيلة القاضي والعلامة الشيخ أحمد بن هبجان، قاضي الشقيق الأسبق وتتلمذه على يديه، واكتسابه الكثير من العلوم والمعارف الجمة، حتى لقب (بابن هيجان الفقيه).
* نهمه في قراءة تفسير القرآن الكريم والسيرة النبوية وسير الصحابة والتابعين وتابعيهم ، وكذلك انكبابه على قراءة التاريخ الإسلامي وكتب الأدب وفي طليعتها جواهر الأدب ، وكل ما أمكنه الحصول عليه من كتب ثقافية وعلمية.
* مجالسته للمعلمين والدخول معهم في تحاورات ثقافية مثرية ومجدية
كروافد معرفية متنوعة.
بالإضافة إلى مؤثرات أخرى لايتسع المجال لذكرها هنا، ومن أهمها استدامة قراءته للصحافة المحلية وبالذات جريدة عكاظ.
وكان لكل ذلك أثر بالغ في تشكيل شخصية الشيخ علي بن يحي المشيخي ، وبروزه على الساحة الاجتماعية كأحد الفاعلين المتميزين
ومن ذلك:
# اعتلائه منبر الجمعة والعيدين ، ضمن الخطباء الأوائل الذين حباهم الله ناصع البيان ولطف الموعظة ومنحهم الحكمة وفصل الخطاب ولفترات زمنية مديدة.
# الإصلاح بين الناس، حيث اشتهر بالرجاحة والرشادة والموضوعية وعدم الانحياز، حتى استحوذعلى اهتمام واحترام القضاة وكانوا يختاورنه للمعضلات الكبيرة وحل الخلافات المستعصية داخل الشقيق
وخارجها وكانت(أحكامه العرفية) المتوافقة مع الشريعة تحظى بالرضى
من المتخاصمين والقبول والتأييد من لدن أصحاب الفضيلة القضاة.
# المسامرات الشعبية، والتي يعد حضوره فيها إثراء لها ، وذلك لملكته الشعرية وموهبته الصوتية ولياقته البدنية، ورسالته القيمية التي تحث على القيم الفاضلة والنواميس الحميدة ، في كافة المناسبات الشعبية، ومن ذلك(الختان، والسماية، والزواج، والزيفة، والدمة، والاعياد، والمناسبات الوطنية، والعانة،والضيافة
وحفلات السمر، والضيافة) وكان وجوده في كل هذا الأنماط من الحراكات الشعبية، مدعاة لإضفاء الأنس والسرور على الجميع.
# النشاط الرياضي، ولعل اهتمامه بهذا النمط من الأنشطة هو ما ميزة على نظرائه وأنداده من طلاب العلم
وأكسبه حظوة واسعة في الأوساط الشبابية داخل الشقيق وخارجا، إيمانا
منه (بأن العقل السليم في الجسم السليم) وحرصا منه على شغل أوقات الفراغ بمايعود على الشباب بالنفع والفائدة، وكذلك اقتران النشاط الرياضي بفعاليات ثقافية يتم من خلالها اكتشاف المواهب الأدبية وإثرائها بل وتحفيزها..وقد خصص لذلك ملعب رياضي في قرية(الصقعان) ولسنوات عديدة، وكان يشارك شخصيا في المباريات في مرحلة الشباب، ثم تحكيم المباريات، وكان هو المشرف على الملعب الرياضي وكافة مناشطة،نظرا
لماينعم به من حس قيادي ومهارة إدارية وروح أبوية حانية، جعلته مبجلا وموقرا لدى الجميع .
# نشاطه الفكري والثقافي والدؤوب في كافة الفعاليات الثقافية المنفذة ، إضافة إلى ممارسته لرسالته الدعوية
والتوعوية والأدبية في سائر المجالس التي كانت تشرف بحضوره، باعتباره مشكاة تنويرية يفيض على الحضور من غزير علمه ومكتنز معارفه وجم أدبه ولطائف مداخلاته
وفي طليعة ذلك المساجلات الشعرية
والمسابقات الثقافية.
# الكرم والسخاء، ولعل من أبرز ما يتم الاستشهاد به عند حمله إلى مثواه الأخير كثرة الأحاديث الجانبية حول قبره وهو يوارى الثرى ، إذ كان
من اللافت الحديث عنه كأشهر الكرماء الذين لا يكاد يخلو دارهم من الأضياف وإطعام المساكين والمحتاجين وبسخاء بالغ وبطيب نفس وبشاشة وجه، حتى أنه أضحى معلوما بأن من يأتي إلى دار الشيخ
علي بن يحي المشيخي_ وفي أي وقت_ سيحظى بالإنعام والإكرام.
* كان وبحق زينة المجالس وبهجة المؤانس، لايمل من حديثه ولا يسأم
من مجالسته يعبق أدبا ويفيض علما
وينضح نبلا، إضافة إلى مايمتاز به من فراسة، ونافذ بصيرة في معرفة الرجال وتقييمهم بناءا على معطيات
منصفة وتحليلات عميقة ودقيقة.
# خبير زراعي ملم بمنازل الزراعة وأبراجها ومواسمها وأوقات البذر
ومواسم الحصاد، ونوع الأوبئة الزراعية وأساليب مكافحتها، إلى جانب معرفته بمنازل الغبرة، وخاصية
كل منزلة.
ومما تجدر الإشارة إليه بأن فضيلة القاضي، الشيخ أيمن إبراهيم هيجان
يشيد بالفضل الأوفى بعد الله للشيخ علي بن يحي، في تأليفه كتاب (زهرة البستان في سيرة العلامة القاضي بن هيجان) وأنه هو الذي حثه وحرصه على البدار في القيام بهذا العمل، وأمده بكثير من المعلومات والتي كانت بمثابة الدافع الأساسي للقيام بهذا العمل الجليل الذي سر به كثيرا
عندما وقع بين يديه بعد طباعته
وتضمن بين دفتيه معلومات قيمة
طرز بها الشيخ علي بن يحي مادة الكتاب.. مما أضفى عليه رونقا وبهاءا.
ومن باب الإنصاف ، فليس هذا كل مايمكن قوله واتحاف القارئ الكريم به عن سيرة الشيخ على بن يحي العطرة ومسيرته المزدهرة والحافلة بالعطاء والنماء والمضاء، ولكن هذه
مجرد إطلاله عجلى على هذا المنجم
العلمي والثقافي والتراثي النفيس ، والذي ترك إرثا خالدا ومجدا تالدا
ومكتنزا ثرا لكل من يتوق إلى المعرفة ويستعذب البلاغة والأدب.

وينشد الثقافة، ويعشق العصاميين والدؤوبين الذين استطاعوا أن ينقشوا
في أسفار التاريخ ملحمة قروي ناضل وجالد حتى أصبح رئدا يشار إليه بكل بنان منصف في وضح النهار وعلى رؤوس الأشهاد.
رحم الله فقيد المعرفة والثقافة، والسيرة والتراث، والإصلاح بين الناس وإشاعة التواد ،الشيخ علي بن يحي المشيخي…لقد كان وبحق جامعة تنويرية وموئلا للوسطية والاعتدال، ومثالا للوطنية والمواطنة
التي يتجلى فيها التلاحم والتراحم
في كنف سماحة الإسلام وبهائه.

د.علي جمال الدين هيجان.

اعجاب ومشاركة :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*

*