الأحد, 2020-05-24 / 7:10 صباحًا.
news image

تَعطَّرُوا وخُذوا حلوى

ابراهيم الحزيمي بتاريخ 24 مايو 2020

 

بقلم محمد الرياني

رجعنا من المصلى، أخذْنا من كلّ حضنٍ وخدٍّ شذى عطر، كنا نبتسم ونحن نخترقُ الأزقة نحو أهل الحي، قلنا نمرُّ عليهم واحدًا واحدًا قبل الزحمة، خالتي أم علي جلستْ أمام غرفتها تتجادل مع الصغير، يتمرد على الماء والصابون كي لايقع على رأسه وظهره وهو يضحك مثل عصفور يريد الهروب نحو عشٍّ أو ينوي التحليق مع الأقران، استقبلتنا بيد و الأخرى تمسك بالصغير كي لايهرب نحو التراب؛ بينما ملابسه موضوعة على طرف السرير، لونها الأحمر مثل زهرة حمراء برزتْ يوم العيد من بين الأغصان، سلمنا عليها بسرعة ومضينا، لايوجد فاصل طويل بينها وبين جيرانها، نادينا من بعيد، خرج إلينا أبو أحمد، حياكم الله، قلنا على عجل، تبادلنا التهاني، رائحة الأكل عندهم على النار، دخلت الرائحة الشهية في بطوننا، قلنا في أنفسنا سنجد الطعام في ملتقى العيد، اكتفينا بالتهاني وقوفًا وانطلقنا، على اليمين يوجد بيت أختنا الكبرى، قلنا هذه أختنا ولابد أن نؤثرها بالتحايا والسلام وطيّب الكلام، وجدناها مشغولة، رحبتْ وسهلتْ والبشر يتهلل من وجهها الجميل على الرغم من آثار السنين، عيناها الرائعتان تبرقان من الفرح كقطرات الهتان التي هلّتْ يوم العيد، وضعتْ أمامها قِدرًا بها دقيقٌ معجونٌ وبجوارها قارورة سمن بلدي وهي تمسك بالعصا لتحرك العجين، أرادتْ أن تقوم فأقسمنا عليها أن تكمل إفطار العيد، تناوبنا على تقبيل رأسها ورائحة السمن تفوح وعلى طرف العصا بقايا العجين، دعتنا للجلوس فاعتذرنا بأننا مستعجلون، تعجبتْ وقالت : الله الله، هذه معايدتكم، ابتسمنا لها ووعدناها بالعودة بعد الإفطار، قالت: ادخلوا الغرفة : تعطرُّوا وخذوا حلوى، استجبنا لها، رائحةُ غرفتها يجلب الذكريات، تشاورنا على الذهاب إلى حيث يجتمع أبناء الحي، وجدنا مائدة عظيمة بدأتْ من بيت أبو يحيى إلى بيت أبو قاسم والشارع يمتلأ ولا مناص لعابرٍ حتى يطعم زاد العيد، اختلطتْ هذه المرة رائحةُ العطور بروائع التهاني والتبريكات، كلُّ الأفواه تضحك وتبتسم في هذا الأيام، انتهتْ المهمة، التفتوا إلى عميد القوم الذي امتلأ عمره بالسنين، حملوه مجتمعين، رفعوه إلى أعلى حتى جاوز السور المجاور، دعَوا له بطول العمر وهو يضحك ببراءة الكبار ويدعوا لهم بالهداية على مزحتهم، غسلنا أيدينا من الماء القريب، عدنا إلى بيتنا، وجدنا شجرتنا الكبيرة الفواحة تتحرك كالفرحين بالعيد، جلسنا على سرير عتيق قوائمه حمراء من طلاء انعدم من السوق، تساقطتْ على رؤوسنا بعض الأوراق والأزهار وكأنها تلقى علينا التهاني، جيء لنا بطعام آخر، ضربنا على بطوننا، أصروا على أن نشاركهم في البيت أكلة العيد، فعلنا ونحن نشتهي النفس، رفعوا بقية الطعام ، أشعل الصغار فتائل ألعابهم النارية ماركة أبو طير، تفرقنا من الفزع ونحن نضحك على سوالف الصغار، تركنا الباب مفتوحًا ونسيم الصبا في كل ناحية وكأنه يكتب بنسماته في كل جهة التهاني الصادقة، ارتفعت الشمس، نسينا أن نزور جارًا لنا غائبًا عن العيد، صعدنا إليه بلا استئذان، وجدناه يمسك بتلابيب ملابس الماضي، جلس يحكي لنا تفاصيل العمر، نظر إلى بعض أشيائه وهو يقول لنا: كأني اشتريتها أمس للعيد، كبرتُ ولايزال العيد يكبر.

اعجاب ومشاركة :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*

*