الجمعة, 2020-02-21 / 7:23 مساءً.
news image

عبدالرحمن فقيه إذ يبكي!!

عبد العزيز قاسم بتاريخ 21 فبراير 2020

1) أكرمني الصديق والزميل الإعلامي رفقي الطيب بهذه الصور من عزاء العم الحبيب بسام البسام يرحمه الله.
الحقيقة أنني كنت حريصا أن أصلي على العم بسام في الحرم؛ لحبّه لي وأبوته، وعزمت على حضور الدفن في مقبرة المعلاة بمكة، وأعدّت عائلة البسام لنا حافلة كبيرة تقلنا من جدة للحرم.

2) في الحافلة، شرفت بالجلوس بجوار الأستاذ عبدالرحمن الصباغ الذي قال بأن الشيخ عبدالرحمن فقيه أمامنا في سيارته الخاصة، وأنه كان ملازما لصديق عمره ورفيق مشواره العم بسام يرحمه الله، من الليل، وحضر غسله، ولم يترك العائلة أبدا، وها هو معنا في حضور الصلاة عليه ودفنه رغم تقدمه بالعمر.

3) فعلا، عندما اصطففنا خلف إمام الحرم، في تلك المساحة المتاحة لأهالي الأموات الذين يُصلى عليهم؛ وجدت الشيخ عبدالرحمن -في تسعينيات عمره- على كرسيه المتحرك بالصف الأول، وآثار الحزن العميق تملأ قسمات وجهه. صعّدت نظري تجاهه، وانثالت أسئلة عديدة تقول بأن الرجل في غنى عن التعب هذا بعمره المتقدم.

4) صاحَبنا الشيخ للمقبرة، وبعد انتهاء الدفن، واصطفاف الأبناء الأعزاء طارق ووليد وزياد البسام بعده بصفّ العزاء، إذا بالشيخ ساكنٌ وذاهلٌ على كرسيه، والدموع في عينيه يتلقى عزاء الناس. مشهدٌ غاية في الدرامية والحزن، لم نملك إلا أن نتأثر لحاله ذاك في عمره هذا، لأقول لنفسي أي حب وصداقة ووفاء الذي أرى!!

5) قمتُ بواجب التعزية، وانفلت للحافلة أنتظر أن يتكامل العدد، ونعود أدراجنا لجدة، وطال بنا الوقت ننتظر خروج الشيخ عبدالرحمن، الذي اكتشفنا أنه لا يود الخروج وبقي يبكي كالأطفال على رفيق عمره، رغم خلّو المقبرة من المعزّين، وبالكاد أخرجوه، ولمحناه يتهادى بكل الحزن والألم والفجيعة.

6) كان بجواري في الحافلة الأستاذ محمد الفال، الإعلامي المعروف، وبادرني بقوله: يا لهذا المشهد يا أبا أسامة!!
همهمت وأقول له: لولا أن الموقف غير مُوات، وليس من اللياقة والأدب؛ لالتقطت له صورة. الشيخ لا يودّ النزول من كرسيه كي يركب السيارة، متأبٍّ أن يغادر المقبرة، ومساعدوه يهمسون له وهو صامتٌ ذاهلُ البصر.

7) ساد السكون، وكلانا -أبو أحمد وأنا- نتأمل في منظر الوفاء ذاك. الحزن حقيقيٌ غير مصطنع، وألمُ الفقد متبدٍّ على الشيخ.
لم يك لدي تفسير أبدا لما أراه أمامي سوى ذلك الوفاء لصداقة امتدت ربما ل80 عاما. هتفت لأبي أحمد: يا لهذا المنظر!! يا لهذا الوفاء!! يا لهذا الجيل الذي عرف حقّ الإخوة والمحبة والصداقة!!

8) ردّ علي الأستاذ محمد الفال: ربما يا أبا أسامة أن الشيخ شعر بالفراغ، بعد رحيل كل جيله من لداته وأسنانه، لذلك هو يبكي هذا البكاء الذي نراه.
كان والله درسا في الوفاء قدمه الشيخ عبدالرحمن فقيه وهو على كرسيه، متابعا حالة رفيق حياته، من ليلة وفاته حتى أصيل يوم دفنه، رغم عمره المتقدم.

9) يخبرني صديقي وليد البسام بأن الشيخ ليلة الوفاة، والعم بسام بين الحياة والموت، يصيح بالأطباء تارة، ويرجوهم تارة، أن ينقذوا صديق عمره، وقال لهم افعلوا جهدكم، ولو كلف الأمر من مليون لمائة مليون ريال سأدفعها، ولكن ابذلوا جهدكم، وأبقوه لنا. ورفض تماما أن يصدق أنه مات وهو يردد: لم يمت بعد.

10) بقية القصة التي لم أرها، ووصلتني من صديق، بأن الشيخ عبدالرحمن فقيه بعد تركه المقبرة اتجه إلى عرفات ومكث بها، والسبب أن تلك المنطقة كانت تشهد طلعاته مع بسام البسام إبان اليفاعة والشباب، كانوا يتسامرون هناك، وبقي هناك في عرفات يبكي ويتذكر مواقفهما وأحاديث الأسمار التي خلت.

11) مثلي يجلّ كثيرا مثل هذه المواقف النبيلة، ولا تعلمون أي أثر تركه عبدالرحمن فقيه بنفسي ذلك اليوم، وأي درس علمنيه في قيمة الصداقة والأخوة الحقيقية.
تتهاوى مثل هذه القيم مع أجيالنا عبر هذه المادية التي طغت على حيواتنا للأسف الشديد. من النادر أن تتكرر مثل هذه الأخوة والحب.

12-12) شكرا عبدالرحمن فقيه لهذا الدرس من الوفاء والأخوة والصداقة الحقة الذي قدمته في عمرك هذا لنا.

ستظل صورتك في نفسي ولن تفارقني؛ صورتك وأنت على كرسيك، تبكي رفيق عمرك، وقد مزقت منا نياط قلوبنا، وأدمعت أعيننا تأثرا، وضربت مثالا لحب أخوي نادر، سترويها وتتناقلها الأجيال بعدك..

اعجاب ومشاركة :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*

*