المقالات

يَهودٌ في البَحرين

مقالتي اليوم إضاءة عن تجارة الأقمشة في الخمسينيات والستينيات الميلادية في الرياض، وتعامل تجار نجد مع اليهود بالبحرين، وهي مقتطفة من كتابي الجديد: “سليمان وعبدالعزيز القاسم… قِصَّةُ كِفاح ومَلحمة إخاء”، المقالة بعنوان:

بقلم: عبدالعزيز قاسم
إعلامي وكاتب صحافي

ولأنَّ بطلَي الكتاب العمَّان: سليمان وعبدالعزيز القاسم من تجَّار الأقمشة في الرياض، قفد دخلتُ في صميم تلك المرحلة الزمانية التي بدآ بها من الخمسينيات الميلادية وإلى الثمانينيات منها، وكانا -ككل تجّار الرياض- يستوردان الأقمشة من الكويت ابتداء، ثُمّ البحرين، ثم بعد ذلك كانت تصل إليهما للجبيل والخبر والدمام، وكانا يرسلان مناديبهما إلى تلك الموانئ.

ومن طرائف تلك الحقبة في البحرين التي توقَّفتُ عندها طويلًا، ما حكاه لنا حمد القاسم؛ ابن أخيهما والمساعد الثاني لهما، في مرحلة البحرين، فقد كان هناك يهودٌ بحرينيون، تعامل تجار نجد والقصيم معهم، وكان في أولئك اليهود تاجرٌ أمينٌ منهم، لديه مصداقية وإخلاص وأمانة وحُسن تعامل، كان اسمه: “سليم نونو”، وحديثنا في السبعينيات الهجرية – الخمسينيات الميلادية، يقول حمد إن هذا اليهودي البحريني تنطبق عليه الآية الكريمة: “وَمِنْهم مَنْ إِنْ تَأْمَنه بِقنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِليك…”، وكان تُجَّار التَّجْزِئة من الرياض والقصيم يتعاملون معه مباشرة، إن ذهبوا إلى البحرين؛ مثل: محمد العمر وعيسى الفهد، والمغامس من أهل سدير، وعلي الصالح القاسم المساعد الأول للأخوين وصالح إبراهيم القاسم.

وحكى لنا حمد القاسم عن حادثة طريفة؛ إذ كان هؤلاء التجارُ من نجد جالسين عند هذا اليهودي في مكتبه بالمنامة، وقال له أحدهم: “يا سليم.. أنت رجَّالن طيب، وودِّنا إنك تِسلِم، حَرام عليك، وهذي أخلاقك، ما تكون مُسلم!”، فردَّ عليهم ذلك اليهودي البحريني: “ما عندي مشكلة، بودي أسلم، ولكن مشكلتي مع الإسلام في صلاة الفجر.. أنا رجل أسهر لآخر الليل، وما أقدر أصحى للفجر”.

لم ييأس التُّجار من نجد معه، بل بادره محمد العمر: “نِجدعْ عنك صلاة الفجر.. بِسْ أسلِم”، (بمعنى نُسقط عنك صلاة الفجر)، فقام عيسى الفهد وكان رجلًا جمع بين التجارة والعلم الشرعي ينهر صاحبه، ويقول له: “لا.. ما يجوز، لازم يدخل الإسلام بكامله، كيف تِجدع عنه الفجر؟”، فأجابه العمر: “يا رجّال.. خَلهْ يِسلِم أوَّلْ، ومشِّي له هذا، وهُو بَعدين يِصلي”.

الحقيقة، أنَّني توقَّفت طويلًا عند حكاية اليهودي البحريني ودعوة تجَّار نجد الذين يتعاملون معه إلى أن يدخل الإسلام، وهي ظاهرة تميّز أحبّتنا من هذه المنطقة -والقصيم بالخصوص- ولا شك في أنَّها عامّة عند الكثيرين من أبناء المملكة، بيد أنها متأصّلة بشكل كبير عند أحبّتنا هؤلاء؛ إذ لاحظتُ أن موضوع الدِّين والدَّعوة له حاضرة أبدًا عندهم، وترى الشابَّ منهم ربما ليس عليه مظاهر الالتزام والتديّن لكنه عندما تأتيه فرصة يقوم بالدعوة للإسلام، أو يذكِّر ببعض تعاليمه بكل فخر.

وسألت الباحث العريق في تأريخ القصيم الأستاذ عبدالله أبا الخيل عن هذه الظاهرة في مسألة الدعوة والاحتساب، فأجابني: “الجانب الاحتسابي في نجد مستواه عالٍ، خصوصًا في منطقتَي القصيم وبريدة، بشكل أخصّ… نادرًا جدًّا أن تجد أسرة من (بريدة) ليست لديها أوقاف وأسبال مُوقَفة على العائلة، من باب التكافل الاجتماعي الذي تقوم المنطقة عليه منذ سنوات بعيدة؛ فينشأ الفرد عندنا على هذه القيم العالية، وتجده مهما ابتعد في شبابه عن الدِّين وقيم مجتمعه، إلا أنه في مواقف تمر به تظهر بقوة، أو عندما يكبر ويشيخ يعود”.

ويدلل الباحث عبدالله أبا الخيل بنموذج يؤيّد كلامه؛ فيقول: “خذ مثالًا لما ذكرته -للتوّ- في خليل الرواف، وهو ابن أحد عائلات بريدة العريقة، ذهب إلى الولايات المتحدة قبل مِئَة عام، ورغم أن زوجته كانت مسيحية، وعمل ممثلًا في هوليوود، فإنه صار مأذونَ أنكحة وفتح حلقة تحفيظ للقرآن الكريم، ومدرسة لتعليم اللغة العربية، وفي الوقت نفسه يمثِّل في هوليوود، وتزوج مرتين أو ثلاث مرات من أمريكيات”.

وجيه فاخوري

نترك ذلك اليهودي في البحرين، ونأتي إلى رجل مسيحي أيضًا تعامل معه بَطَلا الكتاب في الرياض، فمما زاد في رواج تجارة الأقمشة بالرياض والمملكة عمومًا -في الثمانينيات الهجرية (الستينيات الميلادية) وصول مندوبي شركات الأقمشة إلى الرياض، ومكاتب “الكمسيون” (أي الوسطاء)، خصوصًا الشركات اليابانية، ومن بعدها الشركات الكورية، فكان مندوبو تلك الشركات يمرُّون عليهم في الأسواق، واحتاج التجار وجود مترجم لتسهيل التفاهم مع أولئك المندوبين؛ فكان هناك مترجمٌ شهيرٌ يعرفه كل أهل السوق، كان مسيحيَ الديانة، لبنانيَ الجنسية، واسمه وجيه فاخوري، كان يعمل في إحدى الوزارات، يستعين به أصحاب السوق، الذين يأتي إليهم بعد دوامه… ومن طرائف ذلك المُترجم أنهم يذهبون إليه في شقّته (شمال المربع، مقابل حديقة الفوطة)، وكانوا يوقظونه من نومه في آخر الليل كي يُترجم لهم؛ لأنه الوحيد الذي كان يقوم بتلك المهمة لهم.

“قيصريات” الرياض

قيصرية تعني السوق التي تحوي عدة دكاكين متجاورة، وعادة تكون مفتوحة، وثمة قيصريات عدة في الرياض، لا يمكن حصرها في هذه المقالة، ولكننا سنتجه مع عبدالرحمن سليمان القاسم إلى قيصرية سعود، لأن الأخوين سليمان وعبدالعزيز افتتحا بها دكانًا لهما، وكان من جيرانهما المقربين عبدالمحسن أبا نمي، وجاسر العبدالكريم، وزامل السليم، وغيث الموسى الغيث، وعبدالعزيز المطوع، والرصيص، والثنيان، وصالح الفيز، والمصيرعي، والسلوم، واليحيا، والغيث، وغيرهم، وأما قيصرية البلدية فكانت على شكل حرف (U)، وتتألَّف من سِتَّةٍ وثلاثين دُكَّانًا، وليست كلُّها مخصَّصةً للأقمشة، يتقدَّم تلك القيصرية ميزانٌ كبيرٌ في مَقْدِمِها، وكانت قريبة من سوق “الجفرة” بالديرة، وسط الرياض.

وهناك أسواق عدة -ذات صيت- كسوق “الزلّ” القريب من قصر “المصمك”، والحديث هنا عن القماشين كقيصرية “البلدية” التي تشرف على “الصفاة” و”ساحة العدل” مقابل الجامع الكبير، ويشرف عليها من هذه القيصرية ثمانية دكاكين، تخصَّص فيها التجار الكبار مثل العجلان والراجحي، وهناك الصانع والمقيرن والشويرخ والعبيد، غالبيتهم صرافة، وخلفها قيصريتين أو ثلاث خلف هذي الدكاكين فيها بعض التجار بمختلف السلع وليس فقط الأقمشة، منهم محمد وعبدالله السبيعي، وإبراهيم وعبدالعزيز المديهش، والحلافي إخوة، وكذلك المواد الغذائية المقيرن والعثيم الأب، وقيصرية البلدية فيها أبناء عمومته محمد وعبدالعزيز وعبدالرحمن إبراهيم القاسم، والحقباني، وحمد وصالح اليحيى، والجديعي، وصالح الجربوع، وصالح الصمعاني، ومحلات عاشور، وباهبري، وسليمان الشماسي، والملوحي، كلهم في قيصرية البلدية، والصمعاني، واللزام، منهم بائع الجملة ومنهم بائع التقطيع، وهي مشرفة على ساحة الصفاة وقريبة من جامع الامام تركي، وبها ثمانية دكاكين على الشارع العام بيوت صرافة وملبوسات والمواد الغذائية وغيرها،

وهناك أسماء اشتهرت في تجارة الأقمشة ولكن في التجزئة (سوق السدرة)، ما يسمونه التقطيع بالمتر، منهم عبدالله وحمد الصالح القاسم، وعبدالله وصالح البراهيم القاسم.

أما قيصرية “ابن كليب” ففيها الوعيل، وحمد العمران، وابن عبدالقادر، والسعوي، والمرشد، وهناك من اشتهر ببيع القهوة والمواد الغذائية بسوق “المقيبرة” مثل الغفيص، والبهلال، وعبدالعزيز أبا الخيل.

هناك كذلك سوق “القماشين” في البطحاء الذي يستمر لوحده بعد العشاء في ذلك الوقت، ويتميز بالتقطيع، وكان من تجارها محمد الدباسي وصالح الفهد السعيد وغيرهما..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى