المقالاتالمقالات

نقطة التحوّل !

في شهر شوال عام ١٤٠٢هـ  سجلت في جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض تخصص اقتصاد إسلامي
ورجعت في نهاية شهر ذي الحجة لابدأ الدراسة حيث قضيت عام ١٤٠٣ كاملا في الرياض
ونزلت في ( عزبة ) في حي الشميسي لمجموعة من أبناء قريتي
مكونة من خمسة أشخاص أربعة منهم قريبين مني سنا فأنا كنت في الثامنة عشرة
وهم في بداية العشرينات أحدهم كان ابن عمي وصديقي الأثير الله يرحمه
ويعملون كلهم الأربعة في البنك الفرنسي
والخامس ومشرف العزبة في بداية الثلاثينات تقريبا وموظف في مستشفى الشميسي
وكان جادا وطيبا وحكيما
حيث كان يمثل الأب الروحي للشباب والمسؤول عنهم
ولأول مرة
وأنا اشاهد واتمشى في شوارع الرياض وأنوارها شعرت أنني غادرت كوكب الأرض وأنني في كوكب آخر تماما
مقارنة بقريتي ومنطقتي المتواضعة بل المعدومة الخدمات !
كنت اسكن في سكن الجامعة أيام الدراسة
ويومي الإجازة الأسبوعية في العزبة
كنت اقضي الإجازة في العزبة في قراءة الصحف والمجلات
عكاظ والرياض والملاعب والنهضة واليقظة والصقر وغيرها
وفي لعب الكيرم والضومنة
مع الشباب والتمشية في الأسواق القديمة البطحا والديرة والثميري – بل أحيانا اركب الباص ( ابو ريالين )
وكان وسيلة المواصلات الأولى انذاك – وألف معه معظم جهات الرياض
وأيضا حضرت عدة مباريات أهمها السعودية والكويت ١/٣ للسعودية بالملز في كاس العالم العسكرية
ونهائي كاس الملك عام ١٤٠٣ بين الاهلي والاتفاق وفاز اهلينا ٠/١
واسرح ليلا مع ام كلثوم وهي تعبر عني :
أروح لمين
ومحمد عبده
قولوا لهل ذيك المرابع والديار
وليلة خميس
وعبدالكريم عبدالقادر
أحوال العاشقين
وعزيز وغالي
وكان ابن عمي رحمه الله يمتلك سيارة جميلة اسمها ( ZX)
وكنا نخرج فيها ليلا في شوارع الرياض
كان كل شي مختلف الشوارع الأسواق المطاعم
السيارات
وهكذا بدأت الأحلام تتغير
فقد جئت إلى الرياض بأحلام
وصنعت فيّ الرياض أحلام مختلفة تماما
حياة المدينة المريحة بتوفر كل شي
وظيفة وراتب بدون مذاكرة واختبارات وتعب
وشراء سيارة خلال أشهر
واختصار طريق الأحلام

اجتزت الفصل الأول
وتعثرت في الفصل الثاني
وهنا أحاط بي أخواني وأصدقائي لأتوظف وأترك الدراسة لابقى معهم
فقد نشأت بيننا ألفة كبيرة
وكنت أنا اكثر حرصا على البقاء منهم
خاصة و الحصول على وظيفة أمر سهل جدا
وعشت صراعا كبيرا بين حبي ورغبتي في الدراسة وبين إغراءات الرياض والأصدقاء باختصار الطريق
و التحقت بوظيفة خلال الإجازة الصيفية وبقيت معهم
كان مشرف العزبة في رمضان يوزع أعمال العزبة من طبخ الفطور وغسيل الأواني وطبخ السحور وإعداد الشاي وإحضار الطلبات من السوق وكل التفاصيل
وكل واحد يأخذ مهمة
وممنوع التكاسل أو مخالفة النظام
واذكر أن دوري كان ( غسيل الصحون )
وكانت أصعب مهمة
بدليل أنه حتى النساء يكرهنها !!
لكني تعلمت منها الكثير
والجميل أن مشرف العزبة كان يقول لي : افطر واشرب شاي وتفرج معانا وبعدين قوم غسّل الأواني
حيث كانت برامج بعد الفطور
( على مائدة الإفطار والفوازير
وأيضا برنامج وثائقي لابراهيم الراشد رحمه الله لا اذكر اسمه )
ومن المواقف العظيمة له
أنه في ليلة خميس العصر كانت إجازة الشباب ويفرحون بهذا اليوم للتجمع مع أبناء القرية وأبناء المخلاف والجوازنة عموما للعب الكورة
وبداوا يلبسون ويتجهزون إلا واحد لم يلبس رياضي بل كان كاشخ رسمي فسأله المشرف : لِوين يافلان ؟
قال : طالع مع ناس أصحابي من البنك ؟
قال المشرف : ما سبلهم ( من يكونون؟)
قله : من هنا من الرياض
رد المشرف : هيا كنك انشر مع جماعتك وإلا اقعد منت ناشر مع ناس ما اعرفهم
قال الشاب : الله اصحابي وأنا حر
قال المشرف : خلاص شل عفشك ودوّر لك عزبة غير هاذي
شتدشر ما تجلس معي
وتشرّهني من ابوك اللي وصاني عليك
المهم وبعد نقاش قصير
رجع الشاب لبس رياضي ونشر معانا الملعب !!
حقيقة عرفت كثير من الجوازنة ومن أبناء قريتي لكنهم لم يكونوا مثله في الحرص
كانوا يخدمون وما يقصرون ويقفون معك دون النظر لصحة أو خطأ ما تفعل يعني مجاملة
وكثير منهم عرضوا مساعدتي في الحصول على وظيفة
لكنه يختلف عنهم بحرصه ونظرته بعيدة المدى
وكنت انبسط لما اجلس معه منفردين خاصة بعد أن يعد حجر الشيشة وبراد الشاي اللذان كانا رفيقا عصريته ليليا
وكنت أحيانا اجي العزبة الثلاثاء واغيب عن الجامعة الأربعاء لاجلس معه والشباب مداومين
وأحيانا لا أذهب معهم الى الملعب عصر الخميس لاجلس معه
كانت قصصه ممتعه يحكي حوادث واحداث عن مستشفى الشميسي الذي يعمل به
يحكي قصص عن (الهيئة )
اللي كانت تمارس أبشع أنواع التسلط على الناس
وكان يحذرني منهم!
كما كان يحكي عن القرية وأهلها
المهم
وحينما اقتربت إجازة عيد الأضحى والكل يتهيأ للسفر الى الديرة لقضاء إجازة العيد مع الأهل
وفي يوم كنت في العزبة أنا ومشرف العزبة بينما الشباب مداومين
المهم فوجئت بمشرف العزبة ونحن نسولف ونشرب شاي فوجئت به يقول لي :
( أنت يا احمد شتضيّع نفسك لو تركت الدراسة وتوظفت )
انصدمت من العبارة
وشعرت أني سمعتها بقلبي
نعم لقد وقعت في قلبي
ولم انسها إلى الآن
لازالت حروفها ترنّ في أذني حتى اليوم وبنفس نبرته الحادة
واكمل :يا احمد طيعني كمل دراستك هنا في الرياض
أو ارجع الديرة وادرس في أبها قريب من أهلك
ياخي اربع سنوات وأنت مدرس
يعني طريقك سهل بإذن الله لمستقبل افضل ومريح
والله الوظيفة الأن ضياع لك
وضياع لدراستك اثنا عشر سنة
فكر في كلامي
وبعد هذه الجلسة تغير مسار تفكيري تماما
وقررت العودة للديرة نهائيا والدراسة في ابها
ورغم كل محاولات اخواني واصدقائي وابن عمي بالذات رحمه الله إلا أن كلام مشرف العزبة كان قد انهى كل تردد
وكانت كلماته نقطة تحول عظيمة في حياتي
وسافرت إلى الديرة وبعد عيد الأضحى ذهبت إلى ابها وسجلت في جامعة الإمام قسم تاريخ عام ١٤٠٤
وتخرجت عام ١٤٠٧
والحمدلله من قبل ومن بعد
والفضل لله تعالى
ثم لأحد ابناء قريتي وهو الإنسان العظيم
والأخ الكريم
( محي محسن احمد عميش )
مشرف العزبة
وهذا الرجل العظيم التقيه دائما في القرية واقبل راسه
واشكره كثيرا على موقفه العظيم معي
وزرته قبل فترة في بداية عام ١٤٤٣
في بيته وقبلت راسه اعترافا بفضله علي وشكرته كثيرا
لكنه كان كعادته متواضعا
ويردد: الفضل لله وحده وهو أراد لك الخير سبحانه
وجلست معه قرابة الساعة استعدنا خلالها كثير من ذكريات العزبة الجميلة
فشكرا ابو احمد
( محي محسن احمد عميش )
وجزاك الله خيرا .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى