المقالاتالمقالات

مواقف تعليمية

بني مالك.. الحب الخالد(٣) .. الأخيرة

عملت في مجمع مدارس الداير بني مالك عامي ١٤٠٨ و ١٤٠٩
من أجمل الذكريات في الداير العاملين في المدرسة العم جبران المالكي وكان إنسانا بسييييييييطا جدا كل حلمه أن ينجح أولاده من المتوسطة ليتوظفوا
والعم سليمان المالكي وكان حكيما وصاحب ألغاز يعجز المعلمين عن حلها لأيام والعم علي سالم المالكي
كان طيبا وخدوما حينما عرف أننا نبحث عن بيت أصبح يأخذنا في سيارته الجيب ويلف بنا الداير لأيام بحثا عن منزل نستأجره دون كلل أو ملل حتى استأجرنا
رحم الله ميتهم وعافا من بقي حيا منهم
وأيضا من أجمل الذكريات أنني كان معي في عام ١٤٠٩ سيارة هايلوكس غمارة وكنت يوم الأربعاء املأ السيارة بطلاب بيوتهم على طريقي كانوا يملأون السيارة والأجواء بضحكاتهم وسعادتهم
لكنهم لم يكونوا يعلمون أنني كنت أسعز منهم بتلك اللحظات الجميلة
وأن ضحكاتهم كانت هي أغاني طريقي
وسعادتهم كانت سعادة إجازتي
وآه يا وقت مضى
لو هو بيدينا ما يروح !
ومن اسوأ الذكريات التي أثرت فينا كثيرا وفاة طالبين
أحدهما في حادث على طريق صبيا واسمه حسن حيان المالكي كان في أول متوسط والثاني في الجبل واسمه على رافع المالكي من جبل ال علي وكان في الثاني متوسط وتوفي في فترة اختبارات إن لم تخني الذاكرة لازالت صورهما في ذاكرتي حتى اليوم رحمهما الله وغفر لهما
كان ارتباطنا بالطلاب ارتباطا وجدانيا
بل لا أبالغ إذا قلت أنني عشت شخصيا إحساس الأبوة من خلال الطلاب حتى قبل أن أتزوج وأنجب بفضل الله
فقد كانوا يتعاملون معنا كآباء من شدة تقديرهم للمعلمين
فيأتيك طلاب من كل الفصول حتى طلاب لا تدرّسهم
يقف الطالب معك ويقول لك كل ما يشعر به دون حرج ويمكن أن يبكي أمامك دون حرج
بل أن طالب الابتدائي يرتمي عليك بشكل عفوي
ليشتكي عليك من زميله فتضطر تجلس وتضمه بذراعك وتهدئه وخلال ذلك يمتلئ قلبك بمشاعر لا يمكن وصفها من الحب والسعادة
لقد أثروا فينا كثيرا بل وخلقوا فينا مشاعر عظيمة ببراءتهم وبساطتهم
وفي الداير
زاملت مجموعة من الأخوة المصريين الرائعين خلقا وعلما وأريحية وصدق
كانوا لا يبخلون بالمساعدة والتوجية حتى أنهم اختصروا عليّ شخصيا سنوات من الخبرة
أولهم مدرس الرياضة فؤاد عبدالمحسن الله يستره ويعافيه حيا أو ميتا
رجل مرح جدا وبشوش ومبتسم دائما
وأذكر أنه كان مغرما بالفنان عبدالله الرويشد في بداياته
ودائما يغني أغنية
( قلبي معك يامشغل البال ملتاع
ياللي تدور مايزيد التياعي)
كان يؤديها طوال الوقت وبصوت جميل
كان طاقة إيجابية كبيرة
والثاني الأستاذ محمد البيومي معلم اللغة الإنجليزية وهذا كان مدرسة متكاملة خلقا وعلما وتعاونا
من سكان القاهرة الله يجزيه خير ويستر عليه حيا أو ميتا
رجل هادئ جدا وأنيق جدا وشخصية قوية ومخلص في مادته ويحب طلابه فأحبوه وأحبه المعلمين أيضا لأنه متعاون بل والله أنه كان يؤثر الزملاء على نفسه
وفي يوم من الأيام داوم ونصف ذراعه ملفوف بشاشة فقلت له : سلامات
قال : اتحرقت وأنا أطبخ
فقلت له : حقيقة من الأمور اللي تدهشني صبركم كمصريين على صعوبة الأوضاع هنا مثل عدم وجود الكهرباء وعدم وجود مطاعم وغيرها من الخدمات
خاصة وأنت من أبناء العاصمة القاهرة
فقال : شوف احنا في مصر لازم نخدم سنة في الجيش والجيش بيربي الإنسان تربية لا تقدمها الأسرة ولا التعليم ولا الكتب ولا الشارع ولا أي حد أو جهة أيا كانت السنة اللي في الجيش تخليك تعيش وتعايش اسوأ الظروف الحياتية حتى اللي لا يمكن تخيلها
ولذلك يسهل على المصري اللي خدم في الجيش التكيف مع أي بيئة او وضع
واضاف : الأوضاع هنا يا استاذ احمد.. جنة
عارف يعني أية جنة
بالنسبة للأوضاع اللي عشناها في الجيش!
وفي السنة الثانية لي عام ١٤٠٩ وفِي الصف الثاني متوسط كان هناك طالب درسته في أولى متوسط وككل طلاب الداير كان قمة في الأخلاق والهدوء
إلا أنه في ثاني متوسط تغيّر فجأة
فاثناء ما أشرح الدرس يقول بصوت منخفض لكن مسموع ( قد درَيْنا قبل لا تشرح ) كان يقولها في حصص التاريخ فقط
كنت اسمعه لأنه في الصف الثاني وقريب مني ويسمعه زملاؤه القريبين منه
كان يكررها كل ربع ساعة تقريبا
وكنت اتضايق بشدة
بل والله كنت اشعر أن داخلي يشتعل نار من الألم
وأكثر من مرة كدت أتصرف بحماقة
فأنا لازلت شابا وفي بداية طريق العمل
والكلام مؤثر جدا
كان زملاؤه القريبين منه حينما يقولها
ينظرون إليّ انتظارا لردة فعلي
لم اخبر أحدا حتى زملائي السعوديين رغم قربنا النفسي من بعض
بل ذهبت لزميلي المصري محمد البيومي وحتى هو لم اخبره بالتفاصيل بل اخبرته أن هناك طالبا يزعجني في الفصل
هذا المعلم الرائع علمني أعظم درس في حياتي كمعلم وقال لي :
لاترسل أي طالب إلى المدير أو الوكيل او أيا كان
حل مشاكلك بنفسك
داخل الفصل أو بينك وبين طلابك
والطالب الذي يقل أدبه لا تعاقبه أمام زملاءه أبدا
بل أخرج به خارج الفصل وتكلم معه على انفراد تكلم بهدوء
ثم أرفع نبرة صوتك بقوة
الكلام على انفراد تاثيره غير عادي أبدا
وإن لم يستحب فعاقبه خارج الفصل أيضا وبعيدا عن زملاءه فالعقاب الفردي تاثيره أكبر أيضا
ففي الحالتين انضباط الطالب
– وهو أمر مؤكد بنسبة كبيرة –
سيؤدي إلى انضباط زملاءه دون أن يعرفوا ماذا حدث!
ويزيد من ثقتك بنفسك
ومن احترام الطلاب لك
وتقدير الإدارة لك ايضا
وفي الحصة التالية طبقت درس الزميل المصري وناديت الطالب خارج الفصل وتحدثت معه بهدوء وابتسامة رغم غضبي منه فارتبك الطالب واعتذر ووعد بعدم تكرار الأمر واخبرني أن والده لديه مكتبة وأنه يقرأ قصص التاريخ كثيرا
وكل ما يسمعه مني أثناء الشرح قد مر به
وهذا سبب عبارته !!
قالها بخجل ..فسامحته
ثم دخل الفصل
بينما أنا شارد أفكر لأني اكتشفت أن الأمر كان عبارة عن انفعال نفسي طفولي ولم يكن بقصد الإساءة
لكنه كان في المكان والزمان الخطأ !!
ومع معلم لازال في بداياته
ومع الوقت والسنوات اكتسبت خبرة مهمة وهي ان المرحلة المتوسطة مرحلة تشكّل عاطفي ومشاعري وقد تصدر من الطلاب انفعالات وأخطاش غير مقصودة وعلاجها الاحتواء وليس العقاب
هذا الطالب لا أحد يعرف اسمه ولا ما حدث بيني وبينه إلى اليوم !!
وللأمانة كان هذا الدرس التربوي العظيم مفيدا جدا لي وساعدني كثيرا طوال عملي كمعلم
والفضل لله من قبل ومن بعد

وتبقى بني مالك
أحلى البدايات ..
وأول ساحل ومينا
والحب الخالد❤️

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى