المقالاتالمقالات

مواقف تعليمية

بني مالك.. الحب الخالد(٢)

ومن ذكريات السنة الأولى ١٤٠٨ هـ في بني مالك
أنه في الخامس والعشرين من شهر محرم عام ١٤٠٨ هـ
كان موعد أول راتب حيث وصل إلى المدرسة محاسب الإدارة واسمه ابراهيم هندي رحمه الله
وصل تقريبا الساعة العاشرة صباحا في سيارة عادية ومعه شنطة ديبلوماسية معبأة بالفلوس ومسيّرات بأسماء المعلمين
وبدأ المدير ينادي المعلمين على شكل مجموعات لاستلام الراتب
كان المحاسب فاتح الشنطة اللي فيها الفلوس
وتوقع على المسيّر ثم يبدأ يجمع لك راتبك أبو خمسمية وأبو مية وأبو خمسين وأبو عشرة وأبو خمسة وأبو ريال
وكان أول راتب استلمته تقريبا مبلغ ٦٤٧٨ ريالا
رقم لا يُنسى
وإحساس لا ينسى
والحمدلله على فضله
أذكر أننا ذلك اليوم بدأنا في رسم أحلام المستقبل
لكن المدهش ! هو قدوم المحاسب في سيارة عادية عبر طريق جبلي ووعر وطويل حوالي مئة كيلو بشنطة مليانة فلوس
وجلوسه والشنطة مفتوحة ليحاسب المعلمين
ويتنقل من مدرسة لأخرى بين الجبال والأودية
بكل ثقة وأمان
يا الله كم كانت الحياة جميلة وسهلة
كانت حياة بسيطة
والأهم أنها آمنة ومليئة بالثقة
أنا اتكلم عن مدى خمسة وثلاثين عاما وهي فترة ليست طويلة ومع ذلك انقلبت فيها الحياة رأسا على عقب
وهو ما يعني
أن تطوّر الحياة
منحنا الأسهل..وربما الأجمل
لكنه بكل تأكيد
أخذ منا الأفضل !
أيضا من أجمل أحداث السنة الأولى أننا حضرنا أنا وأثنين من زملائي مناسبتي زواج لدى طالبين عزمونا
وكنا سعداء بالاندماج في المجتمع إلا زميلنا الرابع كان يرفض تماما الانضمام إلينا ويقضي كل وقته في البيت متأثرا بالصورة الذهنية المشوهة التي سمعناها في البداية !!
كما كانت تجري في المدرسة منافسات حامية في تنس الطاولة بين المعلمين مع بعضهم وأيضا بين المعلمين والطلاب
كان مجتمعا عظيما وبسيطا وجميلا
وانتهت السنة الأولى ونحن في غاية السعادة والبهجة

وفي السنة الثانية
غادر الاثنين الاقرب لنفسي من الثلاثة الزملاء من صامطة
وهما الأستاذين
احمد عريشي
وعلي اشيب صميلي
ولكن الله عوضني باثنين من قرية الملحاء بنفس صفاتهما
وهما الأستاذين
علي مروعي
وغبيري النعمي
وأيضا زاد عدد المعلمين السعوديين بعد أن جاء خمسة معلمين جدد للمرحلة الابتدائية
وفي السنة الثانية اكتمل وصول الاسفلت
ووصلت الكهرباء الحكومية
وأصبحت الصحف اليومية تصل بانتظام
وأصبحت الحياة أسهل
حتى أننا كنا نداوم يوميا في رمضان
وازدادت علاقتي بالمدير الأستاذ حسين بيطلي رحمه الله واكتشفت خلف الجدية الصارمة المرسومة على ملامحه إنسانا مليئا بالعاطفة والرحمة وحب الناس بل التمست له العذر بسبب تعدد مراحل المدرسة وكثرة طلابها وكثرة المعلمين أيضا
بل أذكر أنه عزمنا في بيته
وأيضا ذهب بنا رحلة إلى العين الحارة
وزادت علاقتي بالطلاب أيضا وزرت بعضهم في منازلهم لاكتشف المزيد من جمال تلك المنطقة في الصغار والكبار
كرما وتعاملا وتقديرا للآخرين
ومن فضل الله عليّ أن علاقتي ببني مالك لم تنقطع
إلى اليوم ناسا وأرضا
فلازال لي أصدقاء إلى اليوم من طلابي ومن غيرهم
بل وبيننا نقاشات جميلة
وبعضهم أصبحت اتعلم منهم يشهد الله
ولازلت أذهب إلى بني مالك بين فترة وأخرى
واقف كثيرا أمام مبنى المدرسة متأملًا بوابتها وفصولها وشريطا سينمائيا يمر أمامي للطلاب والمعلمين وعمال المدرسة لازالت صور الطلاب الرسمية بالغترة والعقال أمام عيني لم تغب أبدا لازال تنافسهم الجميل في الذاكرة
بل لازلت احتفظ بكثير من رسائل الطلاب والزملاء المعلمين
وببعض الأوراق العملية منذ تلك الأيام الجميلة

وآه يا وقت مضى
لو هو بيدينا ما يروح !

يتبع …،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى