المقالاتالمقالات

مواقف تعليمية

بني مالك..الحب الخالد ( ١ )

يوم الأحد ١٤٠٧/١١/٢٣هـ صدر قرار توجيهي كمعلم من إدارة تعليم صبيا إلى مجمع مدارس الداير كنت لأول مرة اسمع باسم الداير وحينما سألت عنها اخبروني أن بني مالك جبال تقع شمال فيفا تقريبا أخبرت صهري و زوج اختي وصديقي الأثير
هيجان الأعجم رحمه الله وانطلقنا معا وفي سيارته الصالون إلى بني مالك.

انطلقنا صباح الاثنين ١٤٠٧/١١/٢٤ إلى الداير كنا أنا وصهري نعرف حتى العيدابي وللأمانة كان القلق يسيطر علي شخصيا
لكن شيئا فشيئا بدأت المناظر الطبيعية تبهجني جبال أودية تسيل خضرة حيوانات تملأ الأودية الطبيعة الجميلة وأنا من عشاق الطبيعة كان الاسفلت لم يصل بني مالك بعد لكن العمل كان قائما
فكنا نسير على اسفلت وننزل الأودية لعدم وجود كباري
وصلنا المدرسة وكانت مغلقة .

مبنى حكومي جميل زاد من سعادتي أحد الاخوة الكرام من سكان المنطقة وبعد أن استفسرنا منه عن بيت المدير طلب منا الانتظار عند المدرسة وهو سيخبر المدير وبعد قرابة نصف ساعة جاءنا الرجل الفاضل محمد سلمان المالكي وكان يعمل بالمدرسة ورحب بنا حتى اخجلنا وحلف علينا بالله نروح معه ولكننا اعتذرنا لظروفنا
وبعد أن يئس منا كتب خطاب المباشرة كانت الإشارات الأولى تدعوا للتفاؤل مناظر طبيعية جميلة استقبال رائع
وأخذت الخطاب وانطلقت إلى إدارة التعليم سلمته وعدنا إلى البيت
وفي يوم السبت ١٤٠٧/١٢/٣٠هـ كان أول يوم دوام للمعلمين
قابلت ثلاثة أخوة سعوديين من صامطة كنا أربعة معلمين سعوديين فقط في المدرسة حيث الطاقم كله من الأشقاء العرب من مصر والسودان وفلسطين وكانت المدرسة مكونة من تحفيظ وابتدائي ومتوسط ومعهد إعداد معلمين.
كانت مجمع مدارس .. في بداية العام تم فصل التحفيظ في مبنى مستقل  وبقيت ثلاث مراحل ثم تم إقفال معهد المعلمين وفتح مرحلة ثانوية بدلا منه وكان لي شرف تدريس ثاني معلمين ١٤٠٨ وثالث معلمين ١٤٠٩شباب كبار وفي غاية اللطف والأدب والاحترام
كان مدير المدرسة الأستاذ / حسين بيطلي رحمه الله وكان جادا جدا ويحظى بمكانة كبيرة في المجتمع
إلا أنه كان متوجسا منا كسعوديين يعملون معه لأول مرة بينما الطاقم كله من الأخوة العرب
وكان لديه صورة ذهنية أن السعوديين غير ملتزمين
وأذكر هنا أنه طلب مني حلاقة شعري الكثيف قبل قدوم الطلاب
فقلت له : أنا معلم ولست طالب
قال لي : أنت معلم وقدوة للطلاب وفي بيئة مختلفة
قلت : قدوة بالتعامل والعمل
ولم احلق شعري
المهم ورغم اختلافنا أصبحنا كلنا الأربعة وخلال شهرين أصدقاء للمدير بعد أن لمس التزامنا في العمل

وبدأت الرحلة ..
في البداية وقبل حضور الطلاب كنت أداوم يوميا في سيارتي (جالنت) ميتسوبيشي
وكنت ومع نزولي للأودية تعلق بي السيارة أحيانا وسط المياه لوجود صخور وأعجز عن السير
ومجرد ما انزل من السيارة
تحيط بي فورا عدة سيارات جيوب وشاصات شباب وكبار سن كلهم يعرضون المساعدة ويساعدوني فعلا في إخراج السيارة
ثم يحلفون عليّ إلا أن أروّح معهم وأنت ضيفنا اليوم
يشهد الله كان جسدي يقشعر من تلك المواقف وذلك الكرم الفطري
بل واظل اتمتم بكلمات غير مفهومه لعجزي عن مجاراة كرمهم وسمو أخلاقهم
وفوق ذلك يعرضون عليّ إيقاف سيارتي وإيصالي إلى المدرسة مع أحدهم
حتى أنني قلت لنفسي
ساعيش هنا..هنا الحياة الجميلة
فجزاهم الله خيرا فردا فردا
أما في المدرسة فللاسف أعطونا صورة غير جيدة عن الناس والطلاب وأنهم بدو ويعتزون بأنفسهم كثيرا
ولا يمشون إلا مسلحين ولا يقبلون المزح
والتعامل معهم صعب ويحب أن يكون بحذر ووووو كلام كثير
ولكن ومع بدء دوام الطلاب كانت المفاجاة الجميلة الأولى أن معظم الطلاب يلبسون اللباس الرسمي واقصد غترة وعقال تدخل الفصل ماشاء الله كأنك داخل مجلس الشورى أناقة غير عادية
واكتشفنا أن الأناقة الخارجية تعكس أناقة داخلية أكثر جمالا وجدنا أناس على الفطرة طيبة وحسن خلق وكرم وبشاشة ورجولة
وهو ما سهل التعامل معهم
حيث خلال شهرين أصبحنا وكأنتا من أهل المنطقة
بل أننا وبصفتنا معلمين سعوديين
حظينا بتقدير كبير
وكان الطلاب والأهالي يتسابقون لمساعدتنا مما أحرجنا كثيرا فنحن لانريد إزعاجهم والإثقال عليهم
وفي نفس الوقت من الصعب الاعتذار أمام اصرارهم الصادق
ونشأت علاقات صداقة بيننا وبين الطلاب صداقة صادقة من قبلنا ومن قبلهم
فمثلا بعد الدوام نتوجه للسوق لقضاء بعض الأغراض فكل الطلاب الذين يملكون سيارات يتوقفون ويحلفون إلا أن يوصلونا إلى السوق ومن ثم إلى البيت
وكان هذا يحدث كل يوم
مما احرجنا كثيرا
وكان هذا يحدث حتى من طلاب لا ندرسهم
لكنهم يعرفون أننا معلمين
بل أحيانا يتوقف لنا أناس من أهل المنطقة ويعرضون علينا ايصالنا
وكانوا يقولون : أنتم ضيوفنا وواجب علينا مساعدتكم
عشنا السنة الأولى كالحلم
سنة جميلة وسهلة ومليئة بالسعادة رغم نقص الخدمات
فلا اسفلت
ولا كهرباء
ولا مطاعم
ولكننا عشنا التجربة دون إحساس بنقص أي شيء
وكاننا اكتشفنا عالما جديدا
عالم مليء بالطيبة والنقاء والصدق والحب
حيث استاجرنا بيتا بجانب المدرسة
كان صاحبه نعم الرجل في تعامله
حتى أننا كنا ومن فرط سعادتنا نغني كل لوحده :
بني مالك بني مالك
أنا في حبكم هالك

يتبع …،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى