المقالاتالمقالات

مواقف تعليمية .. ظلمتني يا أستاذ !

أثناء عملي بالتعليم وفي سنة من السنوات كان عندي طالب في الأول متوسط متميز أخلاقيا وعلميا.

وكان يجلس في الصف الأول من الفصل وعادة تنشأ بين المعلمين وطلاب الصف الأول علاقة مختلفة بحيث أن أي حصة فاضية أو عند الانتهاء من الدرس أو عند تصحيح الدفاتر تقوم حوارات مع الطلاب الأقرب حوارات عامة في الرياضة والسياسة بل حتى عن الخصوصيات بحيث بعض الطلاب يسأل المعلم ببراءة عن أبنائه مثلا وعن دراسته ووظيفته بل حتى عن راتبه ! وبعضهم يلقي نكت أو يطرح لغز على المعلم يعني حوارا مفتوحا وهذا الحوار المفتوح يزيد الحميمية بين المعلمين والطلاب .

فكان هذا الطالب مع بقية زملائه في الصف الأول يسأل ويسولف ويضحك ويسأل اسئلة عميقة تدل على وعي مبكّر أيضا ! أذكر منها سؤال : لماذا الدولار أغلى عملة في العالم ؟

وليش البرازيل فقيرة مع توفر كل الثروات عندها ؟

المهم في اختبار الفصل الدراسي الأول حصل هذا الطالب على ٢٩ درجة من ثلاثين في الاجتماعيات بعد أن أخطأ في فقرة من الاختيارات واتعبتني ورقته لأني لم أرد أن ينقص درجة لتميزه وتشاورت مع المدير وبعض الزملاء ولم يكن هناك مناص من رصد الدرجة كما هي 

وهذا يحدث من معظم المعلمين ومع كل الطلاب وبالذات المتميزين وهذه من التفاصيل التي لا يعلمها الطلاب ولا أولياء أمورهم عن شدة حرص المعلمين كل المعلمين على أبنائهم الطلاب

 

ومضت الأمور وذهبنا إجازة منتصف العام وعدنا ونسيت أنا الامر لأنها ليست الحادثة الأولى 

لكني فوجئت بتغير الطالب تماما صمت مطبق قلة مشاركة في الدروس ولا في الحوار المفتوح باختصار تغير كامل ولحبي له ناديته خارج الفصل وقلت له : سلامات مالك يا فلان ؟ فقال بأدب جم : ولاشي يا أستاذ !

قلت : كيف ولا شي أنت تعبان ؟

قال : لا 

قلت : طيب مالك ساكت لاتشارك ولا تبسط ولا تضحك زي أول 

زعلان مني !

قال : أيوه يا أستاذ أنت ظلمتني !

قلت : خاف الله يا ابني ظلمتك في ايش ؟

قال : نقصتني درجة وأنا متأكد أني جاوبت صح على كل الأسئلة لأن الاجتماعيات أسهل مادة 

فتذكرت فورا الورقة 

وقلت له : أبدا ما ظلمتك وإن شاء الله أجيب لك الورقة تشوفها بعينك

قال : والله أبغى اشوفها 

وفعلا ثاني يوم أحضرت له الورقة وناديته وشاهد خطأه فانفرجت أساريره وضحك وقال : سامحني يا استاذ والله احسبك ظلمتني 

قلت :أبدا عادي المهم ترجع زي أول 

فابتسم ورجع فصله 

وفعلا عاد كما كان مبتسما بشوشا يسولف ويضحك ويناقش بذكاء أيضا

 

وكل هذا بعد أن تخلص من عبء الإحساس بالظلم 

والإحساس بالظلم إحساس ثقيل ومؤلم يؤثر في الكبار فكيف بطالب في الثالثة عشر من عمره

 

هذا الموقف أثر فيّ كثيرا لأن الطالب في المرحلة المتوسطة في مرحلة تشكّل عاطفي ومشاعري ويستقبل المواقف بعمق 

فاحساسه بالحب أو الكره أو العدل أو الظلم يكون عميقا جدا في نفسه وقد يدوم العمر كله إذا لم يتم تلافي ومعالجة الأمر بسرعة

 

وهذا الموقف يسّر لي الله تعالى تلافيه ومعالجته

بينما هناك مواقف قد لا نهتم بها ونراها عادية لكن وقعها على الطالب يكون مختلفا تماما 

ومن أبسطها أن بعض الطلاب يتحسسون حين يسمح المعلم لطالب بالخروج إذا استأذن منه ولا يسمح له بالخروج 

علما أن المعلم يفعل ذلك بتلقائية ودون قصد أو تمييز ويرى الأمر عاديا جدا 

لكنه عند الطالب ليس كذلك أبدا !!

 

ولذلك التعليم مهنة شديدة الحساسية والدقة لأن المعلمين يتعاملون مع أرواح ومشاعر مختلفة

 

ولذلك أقول دائما 

أن الطالب 

إنسان .. طالب

وليس 

طالب .. إنسان .

 

ختاما 

أعان الله اخواننا وزملائنا المعلمين وجزاهم الله خيرا وكتب لهم الأجر على كل ما يقدمونه من حب وحرص وتربية وتعليم أبنائهم الطلاب .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى