فن

محطة الثامنة عشرة !

✍🏻 : أحمد بن حسين الأعجم

ترافقا لسنوات في الرّعي وفي الذهاب إلى البئر لاحضار الماء
وفي العلّفة
ثم تزوجت وغادرت القريه وافترقا
وبعد فراق أكثر من أربعين عاما تقريبا
التقيا في القريه مصادفه
فعرفته .. ولم يعرفها
فقالت : فلان
قال : نعم فلان من انته؟
قالت : ماعرفتني أنا فلانه
قال : والله ماعرفتك
الله يحييك كيف أحوالك وكيف حال زوجك وأولادك
قالت : الحمدلله في نعمه
واضافت
ياااااااااه .. ما أصغر الدنيا يافلان ماقلت أني عادني القاك واراك واتكلم معاك
وأنت كيفك وكيف حرمتك وعيالك
وكيف انته مع الحياة ؟
قال : الحمدلله في نعمه
وافترقا من جديد

وبعد أن اختلى بنفسه
استعاد اللقاء وانهالت الذكريات
واستعاد بالذات سؤالها :
وكيف انته مع الحياه؟
وأجاب على السؤال من جديد قائلا :
لازلت اجلس في محطة الثامنة عشرة من العمر
لازلت كما أنا
بنفس البراءة والبساطه
ونفس الجرأة والمشاغبة
وبنفس الشغف
ونفس الانبهار
وحب المغامرة
لازلت بنفس الروح المشرعة للحياه
ونفس القلب العاشق للفرح والمتطلع للحب والجمال
ونفس العقل الباحث عن الحقيقة
العاشق للاستكشاف والتحليل
لازلت كما أنا
اعشق الطبيعة والجمال المنثور في ارجاءها
الجمال الذي يسكن
خلايا الأجساد
ونسيج الأرواح
وشرايين القلوب
وجزيئات العقول
الجمال الذي يجعل الإنسان يحب الحياة بلا شروط
فيجد نفسه
ويجد السعاده
بسهوله
لازلت كما أنا
اعشق المشي وسط الزرع الاخضر والاستمتاع برائحته المليئة بالحياة وبملامسة الندى المتجمع على اوراقه
لازلت أعشق السّكب برائحته ولونه وبهجته
لازلت أعشق حتى صوت جلجلة ثمرة العِشْرِق
وأعشق خرير الماء حين يجري صافيا على الحجاره
ولا زلت استمتع برؤية طير البحر وهو يحلق على شكل اسراب جميله
وهو يمشي الهوينا خلف المزارعين وهم يحرثون الارض
لازلت اعشق العروج والسلم
والسمر
والبشام
والرّيده والكين والمنضار والفَرْص والبَهْش
لازلت اعشق اصوات الرعاة والمعالفة
وهي تعزف لحن الحياة
وأصوات أناشيد النساء وهن يصربن عذوق الحب
لازلت أعشق الفجر
ومراقبة صحو النباتات والطيور
أعشق الفجر الذي يشبه ابتسامة عروس صباحية عرسها
وأعشق الصباح الذي يشبه لحظات تفتيح مولود لعينيه لاول مره
وأعشق الغروب
الغروب الذي يشبه خطوات أنقى فاتنه
لازلت كما أنا
تأسرني الابتسامات الصغيرة
التي تصنع قصص الحب الكبيره
وتاسرني النظرات الخاطفة
التي تحمل مشاعر وارفه
لازلت كما أنا
اقرأ العيون
ونبرات الأصوات
وتقلصات الملامح
وحركات الايدي
وارتباكات الخطى

لازلت كما أنا
أعشق المشي في المساحات المفتوحة
والنظر إلى الفضاء المفتوح
واقضي الساعات الطوال في مشاهدة الطبيعة دون ملل
لازلت كما أنا
أعشق صوت المزميره وصوت الزلاف
وأعشق الرقص الشعبي السيف والعزاوي والعرضه
وأعشق الجنبيّة والايادي تهزها بقوة فوق الرؤوس
لتكتب معاني القوة والرجولة
وأعشق اصطفاف الرجال
في الدّلْع والزامل
وأعشق حركة اجسادهم وايديهم وارجلهم وهم يرقصون
وصرخات الرقص التي تشق السكون
لازلت كما أنا
اقف مندهشا وخاشعا أمام لوحة ( المُكْعُس) بتفاصيلها وأسرارها ومعانيها
واحفظ كل أحداث رواية ( الحِسن والظّفر)
وأردد بشغف قصيدة ( الكحل )
واستنشق رائحة الحياة التي ينشرها ( الفل)
واستمتع بتفاصيل خطوط خارطة ( الحنّا والشّيظر )

لازلت كما أنا
اصنع من السحب أوراقا
ومن النجوم كلمات
ومن ماء المطر حبرا
لاكتب عن الاحساس والحب والجمال
لازلت كما أنا
اصنع من الألم .. أملا
ومن اليأس .. تفاؤلا
وأرى الحب ..هو الخلود
والمواعيد .. هي الأعياد
والانتظار .. هو الأشواق
وحتى الغياب .. اعتبره مرحلة ذكريات!

لازلت كما أنا
أعشق الليل بصمته وهيبته وهمسه
وأعشق الصمت
وأعشق الشعر والغناء
وأعشق الكتابة
وخاصة كتابة الرسائل
واكتبها بنفس الأسماء القديمة
وبنفس العناوين القديمة
لأن الأسماء والعناوين
هي معابد العشاق .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى