فن

لغة الظلام

محمد الرياني

قَبلَ المغيب ، الظلالُ تتسابق لتترك أشياءها، الشمسُ بكل ثقلها تلقي بنفسها في البحر ، في البر الواسع وخلفَ الجبال كي يحضر الظلام ، خمسُ دجاجاتٍ وديكٍ استوحشوا المكان ، طاروا بصمتٍ نحو المنامةِ القريبةِ ليقتربوا أكثرَ من النجومِ والقمرِ البازغ ، انطفأ تنُّور الجدَّةِ بعد أن أخرجتْ وجبةَ العشاء ، الظلامُ أعلن كلمته أمام الفارين من صخبِ النهار ، لغةُ الظلامِ قدمتْ بغيرِ حروفٍ وبدون صوت، حُكمُ الصمتِ هو الذي فصل المساء عن الصباح، الجدةُ تحكي للصغار عن الجن وهم في فزَع، وتروي قصة الذئبِ وهم في خوف، وتحكي لهم عن مكرِ الثعلب وهم في حيرة ، صمتٌ رهيبٌ أطبقَ على المكانِ اخترقتْه أصواتُ استغاثة، مطاردةٌ في الأزقةِ القليلة، سقط شهابٌ من بعيدٍ في العراء، قالت الجدة وهي لاتزال تروي قصص العفاريت، هل صدقتم كلامي؟ هذه شعلةٌ من السماء سقطتْ لتحرقَ المرَدَة من العفاريت، ازداد الرعبُ عند الصغار، ناموا من الخوفِ بلا عَشاء ، مرَّ الليل ببطءٍ إلى أن حضر الصباح ، سأل الصغارُ عن الضوءِ الذي سقطَ في الليل وعن آثار الضحايا ، عن المطاردةِ في الأزقةِ وعن الديكِ والدجاج ، فرحوا وهم يسمعون صياحَ الديكِ الفَرِحِ باليومِ الجديد والدجاجُ من خلفه، قيل لهم إن الضوءَ المسرعَ وقع بعيدًا عنهم ، وأن الجنَّ لم تحضرْ تلك الليلة، انفتحتْ شهيتهم، أفطروا من زادِ العَشاءِ وما توفر من طعامِ الصباح ، خرجوا يلعبون في الساحةِ القريبة، عادوا مسرعين بعد أن سمعوا ضجيجًا قريبًا، ألقتْ بطونهم وجبةَ الإفطار فعاد الجوعُ من جديد، بحثوا عن بقايا طعام ، وجدوا فتاتًا فاقتسموه، تعاهدوا على أن يكونوا أكثرَ شجاعةً إذا حان المساءُ وحكاياتُه ، قرروا قراءةَ المعوذاتِ عند مغيبِ الشمس، اقتربَ البدرُ من رؤوسهم ، سهروا بلا خوف، ظلوا يغمضون أعينهم مع كل لحظةِ وَجَل، بدا الليل مختلفًا، اختفى الخوف عندما استدار القمرُ بكاملِ خِلقته، نظر كلٌّ منهم في وجه الآخر، تناسوا أن هناك ليلًا، احتفلوا بالبدر، جاء العَشاءُ متأخرًا على غيرِ العادة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى