فن

قِسمة

محمد الرياني

قالت :عشقتُه نحيلًا فلما صرتُ إليه أقربَ وجدتُه قد امتلأ لحمًا وطالَ طولًا عجيبًا، سألتْه عن النحيلِ الذي هزَمَ العظامَ الرميمةَ وجعل منها أطنابًا، ابتسمَ لها بسحرِ وجهه البشوش، قال لها أحببتكِ، وعندما أحببتك، لم أترك شيئًا على مائدةِ أمي إلا أكلته، كانت تنهره وهو لا يعي ما يفعل، لم يدعْ فرصةً لإخوته ليهنأوا بالطعام مثله ، وجد نفسَه يحومُ حول ثلاجتهم القديمة ويلتهمُ الفاكهةَ حتى تلك البقايا التي يقضمُها إخوتُه الصغارُ ويتركونها في الطبقِ ثم لا يتورع عن أكلها، ولا يعيقه لعابُهم أو مايسيل من مناخرهم عليها، كبرَ كلُّ شيءٍ حول عظامِ يديه ورجليه، ضحكتْ على حديثه الغريب، قالت له إذا التقينا عليك أن تُحضرَ ثلاجةَ والدتكَ وبقايا طعامِ إخوتك معك أو من الأفضلِ أن تأتيني نحيلًا كما أحببتك، حلَّ صمتٌ على المكان الذي هُمْ فيه، وعدَها أنه لن يذوقَ شيئًا حتى يأخذ رأيها، وأن يشتري الفاكهةَ دون أن يطعمَها كي لا يصاب بجرثومةٍ تفصلُ بين قلبيهما، مرتِ الأيام، استغربتْ أمُّه أنَّ إخوتَه يأكلون وهو ينظرُ إليهم، همستْ له همسَ السائلين وكأنها تقول له : هل جرحتْكَ كلمتي بأن تتركَ لإخوتك شيئًا. ابتسمَ لها وهو يمسحُ رؤوسَ الصغارِ ويدفعُهم للأكل، قال لها : لاشيء، لاشيء، كلُّ ما في الأمر أنني تنازلتُ عن نصيبي لإخوتي ولم يكمل، بلعتْ ريقَها ولم تشأ أن تمضي معه في حديثٍ غيرِ مفهوم، عاد نحيلًا ولم يفقد وهجَه وقوته ، ظهرتْ وسامتُه أكثرَ و بقي لونُ بشرته يلمعُ مع لونِ الشمس، وعدَ رفيقةَ عمره القادمة أن يشتري معها من سوقِ الفاكهةِ بطيخَ الصيفِ كي يستظلا تحت شجرةِ العمرِ التي كان قد زرعها، قالت له : إن الجلوسَ إلى جوارك سيجعلني أراكَ الأروعَ على كوكبِ الأرض، لم يدم الوقتُ طويلًا حتى قسَّمَ البطيخةَ قسمين مثلَ طبقين أصفرين، شربتْ هي ماءَ النصفِ الذي قدَّمَه لها وشربَ من النصفِ الآخر، اقتسما بعدما ارتويا شرائحَ البطيخِ وهي تتحسسُ جسدَه هل لايزالُ كما تريدُ أن تراه عيناها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى