فن

عُقوبة

محمد الرياني

أرسلتْه أمُّه إلى الدكانِ ليشتري علبةَ كبريت ، قالت له بادِر ؛ فالأكلُ على النارِ وقد انطفأَ الموقدُ بفعلِ الهواء، ركضَ أمامها ونسيَ مع عودته أنها تنتظره، استهوتْه عيدانُ الكبريت، أخرجَ عودًا وأشعله فانطفأَ ورماه على قارعةِ الطريق، مشى وازدادَ نسيانًا ، أشعلَ الثقابَ الآخرَ فبقيَ مشتعلًا لتصلَ الشعلةُ إلى كفِّه فأحسَّ بالحرارة، رماه مشتعلًا على سورٍ من الخشب مجاورٍ له، لم يعلم عند مغادرته أن النارَ قد اشتعلتْ في المكان، أكملَ هوايتَه بالعبثِ بالعيدان ورميها ، تأخرَ على أمه، استلمتْه خصامًا بسببِ تأخره، ناولها العلبةَ فاكتشفتْ أن نصفَها قد عبثَ به، كوَتْه في يده حتى لايكررَ فعلته ثانية، سمعتْ أصواتَ رجالِ الحيِّ ينطلقون لإطفاءِ السورِ المشتعل، أخفتْ سرَّ ابنِها، بقيتْ علامةُ الكيِّ في كفه، نضجَ الطعامُ وهو غيرُ قادرٍ على مدِّ كفِّه ليأكل، أكل تارةً بيده الأخرى وتارةً بيدِ أمِّه، كبرَ ولايزال السرُّ في صدرِه وصدرِ أمه، لم يعرفْ أهلُ الحيِّ الذي أحرقَ السور ، غادرَ كبيرًا ليعملَ بعيدًا ثم عاد بعد زمنٍ ليزورَ أمَّه وقريتَه الوادعة، أرادتْ إقامةَ وليمةٍ له ، مازحَ أمَّه ما إذا كانت تحتاجُ عيدانَ ثقابٍ من أجلِ الطعام ، ضحكتْ عليه واكتفى بالنظرِ إلى كفِّه التي كوتْه فيها ذات يوم ، قالت :لاحاجةَ إلى عيدانِ كبريت، نظرَ إلى الجدران القريبة وإذا هي من الاسمنت ، كتمَ ضحكةً كادتْ أن تنفجرَ في صدره، تذكَّرَ سُورَ جارهم ، حان موعدُ التفافُ الجيران على الوليمةِ التي أُقيمتْ من أجله، طلبَ من صاحبِ السورِ الذي احترقَ منذ زمن أن يسامحه، بسَطَ كفَّه أمامَه ليريَه آثارَ حرقِ أمِّه عقابًا له، همَتْ من عينِ جارِه دمعة ، قبَّلَ العلامةَ القديمةَ على كفِّه ليسامحه ، سافرَ من جديد ، اختفتْ الدكاكينُ العتيقةُ التي كانت تبيعُ عيدانِ الثقابِ ومعها سواترُ الخشب ، ولَّى شيطانُه الصغيرُ قبل ذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى