فن

رثاء فقيه القرية

كتب : عبدالله عامري

ساد الصمت فكان خبر الوفاة هو النداء  في قرية المحلة 

كانت قرية صغيرة جمع الله شتات أهلها من كل حدب وصوب متفرقون لا تجمعهم صلة أو قرابة حتى استقر بهم الحال عوائل متآلفة قلوبهم على أطلال الحياة وجِلال الفلاة حول بئر غائره تسمع دوي الدِلى فيها كأنه نقع في الحجر ، لقد ًشيد بنيان  هذه القرية الصغيرة قبل قرن ونصف على حياة بسيطة لم يكن للعلم فيها صروح أو دور  وإنما كانت بيوت تهتم بقراءة القرآن وترتيله وكتابة حروفه على أوراق الشجر وألواح الخشب كانت هي الحياة السائدة بين عامة الناس وفِي القرى والهجر لقد نمت قرية المحلة بأهلها فأجيال تتقادم وأجيال تفنى لقد كانوا أجدادا ثم آباء وأبناء هي الحياة هكذا تدور في هذا الكون ففيها العوائل تنمو وتتلاحم صهراً وودا وكان العلم فيها شحيحة أخباره فوهج الحياة ولقمة العيش جعلتهم ينغمسون في البحث عنها والاكتفاء بالعمل والرعي والزراعة حتى يستقر ويهدا الجوع في بطونهم ،  لقد كانت الأقدار تسوق في رحاها ورواحها .

عبده بن يحي حربي من البديع والقرفي الى أن تشاء أن تحط به رواحل الدنيا في هذه القرية وتزوج منها فولد العم حسن أكبر الأولاد ونشأ وترعرع في هذه القرية في بيت والده الذي يسمى بيتهم بالمشائخ وكان العم حسن رجل ورث العلم من أبيه فتعلم القرآن وتدبيره وقرأ وكتب حتى أصبح خطيباً لعريش صغير ثم إلى مسجدها الجامع ومغسل الموتى وراقي الأطفال مازالت أقلام القصب تكتب محو آياتها في صواني صغيرة رقية لهم تهدأ بها نفوسهم لقد أصبح بيته مدرسة صغيرة يشع منها نور الحياة عندما يكون ظلام الجهل في النفس معتم فيكون العم حسن نور إرشادهم ويقرأ عليهم حتى تهدأ وتهجع إلى الدعاء والتضرع إلى الله  هي الفطرة الصافية عندما تكون تلاوة القرآن سكناً للنفوس لقد كان المعلم الأول الذي  تفتحت عيون أبناء قرية المحلة على شجي صوته  عندما لم يكن للمكبرات وجودا ونبرة خطبه من دفتر شاحب كأنه ونيس الجمعة والجماعة  وقراءة حروفه التي مازالت رنين خطبه تدوي في أركان الحياة  بأن  الدنيا كسوق انتصب ربح فيه الرابحون وخسر فيه الخاسرون ، رحمك الله رحمة واسعه ، إنها الدنيا يا هذا الأنيق وأنت تركض في سوقها ، لا تدري خسارة أم ربح أنت كاسبه لقد كان نعم المعلم ونعم المربي ونعم الموجه عندما تضيع الحكمة في ذهول الحياة  ومأذون القرية الشرعي عندما يكون للأنس سعادة تملى القلوب فرحاً بوداع الشتات وبناء الأسر عندما يركض الفرح في شباب هذه القرية لكل من أراد الزواج والاقتران بفتاة العمر  فدفتر العم حسن جاهز في سرد الأسماء وضمهم في صفحة من ورقات هذا الكتاب  على سنة الله قلوبا متحابين متآلفين على فطرة الإسلام لقد مكث العم حسن خمساً وخمسون عاما إمامًا لا تغيبه شمس الحياة وحب الصلاة عن المسجد إلا لأمر جلل فكان نبراس الفقه والحديث والحكمة والروية  وتتوالى الأيام ويصبح العمر في غروب حتى دنى الأجل وحانت ساعة قد دونت في كتاب الأقدار لقد كان ليوم الثلاثاء الموافق ١٤٤٢/١١/١٩هـ من هذا العام موعد في الفراق لقد نعت قريته الصغيرة آخر الاجيال من الأجداد عندما ذاع نداء الحق في السماء يا أيتها النفس المطمئنه ارجعي إلى ربك راضية مرضيه ، لقد لحق بركب أجياله واخوانه وأبناء قريته السرد يطول بأسمائهم كانوا آباء وأجداد ومربين وموجهين نمت أسماعنا على أحاديثهم وقصص حياتهم وسرد أخبارهم رحمهم الله جميعا وجمعنا بهم في دار المقام تحت عرش الرحمن . 

 

وقف هذا الأنيق على أطراف قريته وقفة تأمل وعاده شريط الذكريات إليها شاحب بالحزن على أطلال الفراق  فمرة يبتسم وأخرى يمعن التحديق في غبار الألم لقد كانت هناك محطات في هذه القرية الصغيرة سأكتب عنها ذات يوم بالاسماء لرجالها ، لقد كان لدكان خالي اسماعيل ( الزغيبي ) مدرسة فريدة بذاتها 

فهو كسوق عكاظ في هذه القرية محطة للبوح والحلي في الصباح وفي المساء قصص وحكايات تسرد من ألف ليلة وليلة ونهار  وعصرية تحت فشاش الظلال . 

 

أبتسم أيها الأنيق 

هكذا نعيش في الحياة

أبو خالد .

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. لقد سطرت أجمل العبارات وأصدقها عن الشيخ والوالد حسن بن عبده الحربي رحمة الله عليه كان والدا للجميع وأخًا ومحبا غفر الله له واسكنه فسيح جناته. وجزاكم الله خيرا يا ابا خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى