فن

جَدَّة المطر

✍🏻 : محمد الرياني

خَرجَ يَنشُدُ جَدَّةَ المطر ، جَسَدُه عارٍ باستثناءِ سروالٍ إلى منتصفِ ساقِه ، أرادَ أن يَغسلَ بياضَ بشرتِه المشوبةِ بِحُمْرةٍ بِبياضِ المطر ، وأن يَستوفيَ من حَرِّ الأمسِ ببَرْدِ اليوم ، قالت له : استُر نصفَك الأعلى قبلَ أن يُهاجمَكَ النَّملُ الأسودُ الطيَّارُ الذي سَيَخرجُ مِثلكَ مُنتشيًا من المطر ،لم يُلقِ بالًا لِنصائحها ، انصبَّ كلُّ تفكيرِه على العثورِ على جَدَّةِ المطرِ الحمراءِ التي تَخرجُ مثله ، قالت له : النملُ الأسودُ لايعتدي على الحَمراءِ الصغيرةِ التي تدُبُّ على الأرض ، قد يُغريها لونُكَ الفاقع ، من حُسنِ حِظِّه أنَّ المطرَ الذي انهمرَ بغزارةٍ توقَّفَ بعد أن اغتسلتِ الأرض ، طَابَ لِقدمِه الصغيرةِ أن تَتَنقَّلَ بخفَّةٍ في الوحل ، حضرتِ الحمراءُ التي يريدُ أن يكسوَها وكأنَّها كانت تنتظرُ تحتَ الوحلِ حتى يحين موعد قدومه ، لم يحضر وحدَه بهذه الكسوة ، جاءت من بيتِ الجيرانِ صَبِيَّةٌ صغيرةٌ لتنافسَه على الإهداء ، استلَّت من طرفِ ثوبِها الأخضرِ خيطًا بلونِ العشبِ قبل أن يسحبَ من طَرفِ سروالِه خيطًا ثم أمسكت بِجَدَّةِ المطرِ وهربت تعلنُ الفرح ، بينما هو في ذهولٍ من هذه الشقيَّةِ التي اصطادت الحشرةَ الحمراءَ قبلَه واتجهت في سرور ، انتظرَ ليكسوَ غيرَها فوقَ تلٍّ رمليٍّ قد أغرقَه المطر ، بقيَ يدفِنُ قدميه في الأرض الباردة ، شَعرَ بوخزاتٍ في كتفِه اليمنى فامتدت يدُه القريبةُ لتفركَ مكانَ الألم ، شَعَرَ بشيءٍ يتمسكُ بإصبعه ثم انتقلَ الألمُ إليها ، طارت نملةٌ بجناحٍ أشبهَ بوسيلةِ الحربِ الصغيرة ، ندِمَ لأنه لم يستمع لكلام أمِّه ، أقبلَ من الجَوِّ جيشٌ من النملِ الأسودِ الطائرِ نحوَه وكأنَّ الهاربَ من جَسدِه بعد أن أخذَ نصيبَه قد أعطى إشارةً بموقعه ، عادَ المطرُ من جديدٍ لينقذَه من الهجوم ، ظهرت علامةٌ على كتفه ، سألته أمُّه عن كسوةِ جَدَّةِ المطر ؛ سرعان ما رأت موضعَ قَرصةَ النمل ، اتهمَّ ابنةَ الجيرانِ بأنها سلبت منه الحَشَرةَ الحمراءَ وكستها قبله ، وضعت له دهانًا ليبردَ مكانَ الألمِ ثم رمت على كتفِه لباسًا يقيه من البرد ، انتظرَ حتى تُفرغ السحبُ ما في بطونِها وتختفي ، ذهب يبحثُ عن جَدَّةِ المطرِ من جديد ، غربت الشمسُ فأيقنَ أنَّ الحمرَاء تنام مثله بعد أن تستمتعَ بالمطر ، أشرقتِ الشمسُ في الصباحِ فَجَمعَ خُيوطًا ملونةً واتجهَ قبلَ جارتِه الصغيرةِ ليزرعَ الفرحَ على أجسادِ الجَدَّاتِ الحُمرِ القادماتِ من الوحل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى