المقالات

تاريخ القنفذة وحضارتها عبر العصور

بقلم د. محمد بن علي السكيني المسعري
تاريخ القنفذة جميل الذكر ، وجليل الفخر ، وأريج النشر ، ما تزال الرواة تدرسه ، والتواريخ تحرسه ، والقرون تتوارثه والأزمان تتداوله ، والخاصة تتحلى بفضله والعامة تأوي إلى ظله . فضلها لا تكنِّه أغساق السدف ، وذكرها لا تواريه أوراق الصحف ، ولم يبق هاتف يبشر بالصباح ، أو ساع يسعى برجل ، ولا طائر يطير بجناحيه إلا اتخذ منها نفقا في الأرض ، أو سلما في السماء ، أو أوى إلى جبل خيرها ؛ ليعصمه من مخاوف الجوع والفقر فكرمها لا يمحقه الالتماس ومصباحها لا يفني مُقَلَهُ كثرة الاقتباس ، وغمامها لا ينقصه توالي الغيث ، ولا يزيده طول الاحتباس ، وبحرها لا يغير حاله عدد الأنفاس.
أخذت في الاحتشام معقلا وحصنا لا يُغشى ، وانتبذت من حسادها مكانا قصيا فلا تخاف دركا ولا تخشى ، أخذت من المحاسن بزمامها ، وأحاطت من الطلاوة بكمامها ، وأحدقت رياض الأدب بحدائقها ، واقتطفت من أفنان الفنون ثمارا تلذ لناظرها ، وتحلو لذائقها، فأضحت أم القصائد ، وكعبة القصاد ، ومحط الرحال ، ومنهل الوراد .
أبناؤها جحاجحة غر ، وكواكب زهر ، بهم يفتخر الفخر ، ويتشرف الدهر زاحموا مناكب الكواكب من بعد أقدارهم وصكوا صدر البدر بشرف أخطارهم فما منهم إلا قمر فضل دار في فلك علم ، وهلال مجد لا في سماء فَهم وهم معترفون بفضلها ، وهي عليهم مشرقة الجو ، مغرقة النَّو ، مونقة الضو .
ليست مكان وجد سهوا في هذا المكان من البحر ، ولكنها أغنية قديمة تشظت في الهواء من حناجر النوارس التي عادت مغردة بحنينها ، حباها الله قيادة حكيمة حليمة بالحق عليمة ، لا يميلون عن السير القويم ، ولا يملون السرى ، ولا تذوق أجفانهم طعم الكرى ، فما منهم إلا إذا رأى الطير جائشا عاد من وقته له حائشا.
وهذا الملتقى المسمى بتاريخ القنفذة وحضارتها عبر العصور ما هو إلا تجسيد لماض قديم لا ينسى كانت تعيشه المحافظة في زمن كان أقسى ، وهي الآن ترفل في حاضر مجيد ، ومستقبل زاهر سعيد في ظل قيادتنا الحكيمة التي أخذت بوثائق الحزم وتمسكت بعلائق العزم ، وخطمت أنوف المصاعب ووطئت ظهور الجوامح.
حفظ الله قيادتنا بحفظه ، وكلأها برعايته ، وحفظ محافظتنا محافظة القنفذة التي لها في قلوبنا كل حب وعز وتقدير إنها حورية البحر ، ودرة السهل وعسجدة الجبل .
حورية البحر
حورية البحر أم نوَّارة الجبل
أم درة السهل تحكي روعة المدنِ

أم همسة من نسيم الفجر رقرقها
ريح الخزامى يوشوش غصنها اللدنِ

أم طائر الأيك أمسى في خمائله
يشجي بسجع سباه مدى الزمنِ

قمرية الدوح نادت إلفها شجنا
هيا نعيد الهوى عزفا على الفننِ

ردد شغوفا على غصن الهوى كلفا
أحلامنا قد طواها الليل بالشجنِ
ج
أم القماري تردد صوتها الحاني
فيرد قنعٌ هلمي عذبة اللحنِ

يا وردة من شذاها عطرت أمما
من فيض علم وفكر رائق الذهنِ
ج
يا قنفذة كنت للأجيال مفخرة
من كل فن وهبك واسع المننِ
ج
يا منبع الفن والأمجاد قاطبة
أنت ملاذ مجيد للنهى الفطنِ

يا مصدر الخير للأجناس تقصدها
سرا وجهرا إلى الإفضال واليُمنِ
ج
تهفو إليك قلوب فارقت وطنا
واستوطنت في ثراك عزة السَّكنِ
ج
الليث يحدوك شمالا في محافظته
ويجاوب البرك يا لهفي على يمنِ

مخواه شرقا يناجي صوت نورسك
أشجاه بحر يطاول سيرة الزمنِ

وادي يبة أطرب العشاق في ولهٍ
وتدحدر الفقر أعمى طاوي الرسنِ

القوز درع حصين في توثبه
رام المعالي عزيزا نابذ الوهنِ

أما حليُّ ابن يعقوب فسلطنة
من غابر العهد يحمي عزة الوطنِ

وردية الشط تيهي وازدهي ألقا
واستنهضي الفجر كي يصحو من الوسن

من كل واد أتاك السيل مرتجزا
يا عذبة الشط ذوقي أعذب المزنِ
ج
يا مجمع البحر يا مِسكيَّة عبقت
يا بندرا قد كساه مانحُ الهَتَنِ

لا حظ للعلم إلا في مرابعك
تُطوى الفيافي ويعلو كل ذي شأنِ

يا جارة البحر خط الدهر حقبتك
بمداد نور على الشطآن للسُّفنِ

تحمل إليك بضائعها وقد أنِسَت
زومالها البشر ترحالا إلى السكن

ترسو ببحر وتمخره بلا وجل
وتنال خيرا عميما غالي الثمنِ
ج
أرجوزة في جبين الدهر قد طَبعت
قبلاتها من ذرى نجد إلى عدنِ

يا بندر الخير اسجع إنني كلف
أهواك شطا وبحرا أنتِ يا سكني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى