المقالاتالمقالات

الوطن الشامخ

 

الوطن كلمة عذبة تتردد أصداؤها في خلجات النفس ، وتتقد نارها في حطب الروح  ويسري عطرها في عروق الجسد ، ويتهادى نهرها في فيء الإنسان ، وهو بحر يرتشف عطره الأوفياء ، ونور يستضئ بسنا برقه التائهون ، ومأوى يحتمي بعرينه الخائفون  وجنة يأوي إلى وارف أشجارها ، وردهات مبناها محبو النعيم ، ويكتسي بجلبابها أصحاب المبادئ السليمة ، ونار يصطلي بجحيمها البغاة .

إن وهب وهب لؤلؤا وجنانا ، وإن اكتسى اكتسى حلة وأقمارا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر . إن غصت في بحاره ألفيت مروجا ، وإن استبردت بهوائه لتجدن نعيما يمتزج بالأعضاء والأضلاع ، ويختلط بالنفس والنفيس ، وإن حديثه لأشهى من محادثة الحسناء ، وإنه ليمخر عباب النفوس حتى يستولي على رايتها ، ويأخذ بزمامها .

هذا الوطن هو المملكة العربية السعودية تلك الساحرة الجميلة التي خرجت على المؤسس الباني الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود من لفائف الغيب المحجَّب فاشتعل قلبه ، وفارت روحه ، فانطلق بعد الحيرة في طريق سوي مؤيدا بهذه الروح القوية التي سيطرت عليه بالحب والحنان ، تنحدر رنَّات صوتها إلى قلبه   فتجري في أنهار الحياة المتدفقة في دمائه ، فيرجِّع الدم ألحانا آتية من أغوار النفس العميقة .

إنه يسمع صدى صوتها يتردد في نفسه : أنت ، أنت ! أين كنت ؟ فيجيبها المؤسس من أعماق الروح: أنا هنا ، أنا هنا ، أيتها الحبيبة ، أيتها المملكة .

شعر بعاطفة لا عهد له بمثلها ، ولا طاقة له على وصفها ، إنها تلك النغمة العذبة التي هزت منه وتر القلب ومست شغافه ، فأحس بحبها بين جنبيه مثل النار تسرى في الهشيم ، وخفق قلبه في صدره كجناح الطائر الطنان ، فهو يحمل في طواياه حنينا إلى ذلك النبع الثري الذي سرى في عروقه ، ولا يستطيع أن يفارقه.

وعندما طار نسر الصباح  وحط غراب الليل ، حزم أمره للقيا محبوبته , فامتطى نسيم الليل الناعس  وسكونه الناطق ، وجماله الفاتن ، نظر إليها ، فتساقطت من عينيها حبات البرد ، وانبجست كلماتها المعسولة ، وطفح نور البشاشة من قلبها بواسطة شفاهها ، وطلاقة وجهها ، فأوصلت عواطفها إلى قلب محبها ، وروحه .

لم يثنه هذا اللقاء عما عقد العزم عليه ، فقد آلى على نفسه أن يحميها من جميع الأشرار والأخطار  ويؤسس أركانها ، ويوحد أطرافها شرقا وغربا وشمالا وجنوبا  حتى تكون وحدة واحدة ثابتة الدعائم  سليمة الجوانب ، وبعد أن تم له ذلك ، ولملم شتاتها بقدرة الشجاع الذي لا تلين له قناة ، أعلن اسمها في اليوم الأول من الميزان ” المملكة العربية السعودية ” .

فوحد شتاتها ، وأمَّن خائفها ، وعلَّم جاهلها ، وقدمها دولة كبيرة بين الدول رغم صغر سنها ، وحماها بأبنائه البررة الذين ساروا على نهجه ، وعلى سيرته العطرة ، فحكموا كتاب الله ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وخدموا الحرمين ، وأسسوا مجمَّعا لطباعة كتاب الله ، وهم من جديد إلى جديد ، لا يألون جهدا في خدمة هذا الدين العظيم ، دين الله الخالد ، الذي انطلقت منه كلمة ” اقرأ” مدوية إلى يوم القيامة.

ألا يحق لكل مواطن سعودي أن يفخر بهذا الكيان العظيم الذي ضمن له الحياة الهانئة الطيبة في الدنيا ، والحياة الأبدية في الآخرة بتمسكه بدينه ، وإقامة حدوده وتحكيم شرعه .

إن اليوم الوطني مجد يتكرر كل عام ، وفخر للمواطن يفتخر  به أمام الأنام ، دروسه مُلْهِمَة وآثارة معممة ، استيقظت العيون على الأمن والاستقرار ، والرخاء والازدهار  وتوحدت تحت شعار الوحدة والتوحيد ، تحت راية (لا إله إلا الله) التي ارتضاها الله لأنبيائه ، وللمؤمنين ، وطبعها الملك عبد العزيز على رايته راية التوحيد.

وأصبح هذا اليوم في عهد سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز غرة في أيام الدهر ، وتاجًا في مفرق العصر ، فقد أفضل وأنعم ، وأسدى في الإحسان وألحم ، وأسرج في الإكرام وألجم ، هطلت علينا سحائب عنايته ، ورفرفت حولنا أجنحة رعايته ، وتوالت علينا مننه كتوالي القطر ، واتسعت سعة البر والبحر  وأثقلت كاهل كل حر ، فكانت أحسن أثرا من الغيث في أزاهير الربيع.

أدام الله مليكنا ، وسدد خطاه ، وجعله ذخرا لإسعاد البشرية جمعاء  ففضله لم يقتصر على شعبه في المملكة العربية السعودية ، بل تعداه إلى العالم العربي والإسلامي وهذا ديدن حكامنا الأشاوس ـ حفظ الله ملكينا ، وأدامه عزا لنا .

 

بقلم الدكتور / محمد بن علي السكيني المسعري
نائب رئيس جمعية التراث بمحافظة القنفذة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى