فن

العصب السابع.. ✨

✍🏻 : علي الجبيلي

هدأ الليل… وانتشر الصقيع والصمت على هضبة التبت بعد ليلة عاصفة أرعدت وأزبدت وأمطرت… ليلة باردة صامتة لا يقطع صمتها سوى صفير حشرة الصرار وعواء الذئب الأعرج..
هجع معظم الفلاحين إلى مضاجعهم متدثرين بملابس الصوف الكشميرية الثقيلة في انتظار بزوغ شمس يوم جديد يتوجهون فيه إلى نثر بذور الملوخية والكتان والعدس الأحمر بعد مواسم جافة خيمت على أجواء الهضبة الثلجية… وحينما صمت عواء الذئب الأعرج تحت هجمات الصقيع المتأخر….
اعتلى جانبا من القمة مجددا وجه الشيطان ذلك المرابي الكبير يصيح بصوت أجش أنا قادم إليكم غدا بجنودي أيها اللصوص المنحدرون من أفاقي الأودية وهضاب التبت السفلاء ولتأكلوا نكهة البرسيم والعلف الأخضر بدلا عن مواعزكم وضأنكم التي ستكون في ضيافة موائدنا العامرة قريبا…
وسيحل محصول أتعابكم في زراعة شعير وذرة حبوبكم في صوامعنا وكروشنا الجائعة والمشنتاقة لحصيد مواسم الخريف المباركة…
أما قيمة السيارة الرومانية التي تآكلت صفائحها على ظهر الهضبة وحراثتين اثنين وجرار آخر بفعل مطلكم الظالم فسنرهن عليها بنات القرية أو تزويجهن في هضبة أخرى ومصادرة مهورهن حتى يتم سداد مستحقاتكم المتأخرة ومثلها أجهزة التسخين المثالية والتلفزيونات الفيتنامية التي تملأ غرف منازلكم العتيقة بكل أخبار سيئة َكئيبة مثل وجوهكم ….!!
بحق كانت ليلة قاسية حرمتنا لحظات السعادة بعد المطر….
جدي شخص مهيب وشجاع.. ولكنه يتسم بدرجات عاليه من الحكمة والصبر…. وضبط النفس
كان يفكر أكثر من مرة من اقتناص هذا المرابي اللئيم بعيار ناري من بندقيته العتيقة تعانق رقبة هذا المرابي اللئيم ورمي جثمانه لذئب الهضبة ليضع عليها رسمه وذكرياته الأخيرة عليها عبر أنيابه الحادة والإعلان فورا عبرالتلفزيون المحلي حزن أبناء قرية الهضبة الكبير على الذئب المسكين كونه أصبح مستهدفا من موردي الغلال والدقيق والصلصة وحساء الخيول للمرابي الكبير بعد أن أكله هذا الذئب….
وكنت أنا قد آويت إلى فراشي خلف ظهر جدي العجوز الذي جعل البندقية بعد تأمينها تنام بين بطني وظهره في أمان حتى تحين لحظة التقاط آخر أنفاس المرابي الكبير….
كان الجميع هنا ينام قليلا نومة ثقيلة ثم يستيقظ فجأة وصياح ووعود المرابي الكبير بالانتقام منهم
لا تزال تخترق طبلات أسماعهم..؟!!
الجيب الروماني الكئيب.. وحراثتين والجرار……
يا إلهي منذ كام من السنين العجاف قد مرقت على بداية هذه المأساة التي عاشها سكان قرية هضبة التبت هذه…؟!!
كيف ورطهم المرابي الكبير في هذه التبعات دون تخمين أو احساس بتبعات هذا الأمر منهم..؟!!
وبالرغم من سعادتنا أن المرابي الكبير قد أصيب مؤخرا بمتلازمة العصب السابع والذي جعله أكثر تعاسة وأقل في نشاط الحركة وأصبحت سماته الشخصية تشبه حركة ضبع جبلي سمين ولا يستطيع الالتفات إلى جانبه أو إلى الوراء
إلا أنه لا زال نشطا وطويل اللسان قليل الإحسان….!!!
سكت الذئب وهجد وآوى إلى مضجعه تحت أغصان شجرة السدر العملاقة في أحد شوارع قرية هضبة التبت…
ولكن المرابي الكبير قد واصل وعوده وتهديده…
جدي الذي استجاب له سكان القرية بالسكوت والصمود وعدم التمادي مع نزق عبارات المرابي الكبير….
لا يزال يتصارع مع نفسه ولا يتصالح ويجانبه النوم مع حلم بالقضاء على هذا المرابي الفاسد
والطريق إلى المزرعة يمر عبر معالم شجرة السدر العملاقة
ويسيطر على معالمه الخطر الداهم….
الذئب الشرس ليلا
والمرابي الكبير نهارا..
وضع جدي بندقيته العتيقة على كتفه الأيسر بينما كنت احمل المسحاة على عاتقي الأيمن…
قال جدي اتمنى أن اقنص أحد الأثنين…
كنا صباحا ونحن نتجول في ربوع القرية في اتجاهنا عبر شارع شجرة السدر متجهون إلى الحقل…
وملامح المرابي اللئيم تلمع في ذاكراتنا…. والسيارة الجيب الرومانية وحراثتين والجرار الزراعي وأجهزة اتصال وتواصل عتيقة تلمح في ذاكرتنا
قيل أن الغريم هو الذئب الأعرج الذي باغته دون أن يتمكن منه بسبب حركة الرقبه التي أصابعا وهن من العصب السابع فجعلها متصلبة استطاع الذئب الأعرج من خلالها الاجهاز عليه مباشرة
قيل لنا لاحقا هذا بقايا جثمان المرابي الكبير تحت شجرة سدر الذئب الأعرج
قبل أن يتيح مختار قرية هضبة التبت لكلاب وقرود القرية الجائعة نهش ماتبقى فيها من لحم وعظام نتنه من أموال الناس بالباطل
وفي المساء حفر جدي خطا باللغة السندية العتيقة على سارية بندقيته
لقد استغنيت عنها حينما كان العصب السابع والذئب الأعرج أكثر شجاعة من بندقيتي هذه…
التوقيع:-
كومان أنطون راجي..
عجوز قرية هضبة التبت
٢٢_٧_٢٠٧٥

ولم يتمكن أحد بعد من مواراة جثمان المرابي الكبير لسكان قرية هضبة التبت حتى لحظة كتابة بلاغ لحقوق الإنسان التدخل لمواراة أو حرق الهيكل العظمي للمرابي الكبير لقرية هضبة التبت لا لشئ
إلا لأنها نتنة جدا وأكثر أذية واشمئزازا لسكان القرية من لسانه وتهديده لهم بالإبادة أو النفي…!!!!! 💫

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى