فن

الحب .. والحرب ( ٢ )

كان إبراهيم في الصف السادس ابتدائي حينما كان يلعب مع أصدقائه وجيرانه في حارتهم صباح أحد أيام الخميس
حيث رمى أحدهم بحجر فأصاب إحدى بنات الحارة ( خبلها ) وسالت الدماء وصرخت أمها وتجمعوا أهل الحارة وكان إبراهيم ومن معه يعرفون من الذي رمى الحجر وأنه رماه دون قصد
لكن في الليل فوجئ أن الكل يقولون إبراهيم رمى الحجر وتجمع أهل الحارة وكلهم أقارب ومن نفس الأسرة وعلى رأسهم عم إبراهيم والذي هو المسؤول عنهم بعد وفاة والد إبراهيم وأيضا هو والد البنت المصابة !! تجمعوا عند والدته يلومونها على سوء تربيتها لإبراهيم وأنهم سيفعلون ويفعلون لو أعاد الكرة وهي تقسم أنه ليس الفاعل وهو يبكي ويقول والله فلان اللي رمى الحجر
لكن يبدو أن الجميع قد اتفقوا على تبرئة أبناءهم والصاق التهمة بإبراهيم حيث كانوا يقولون بلسان واحد إبراهيم الفاعل
بل إن والد البنت عم إبراهيم أخذ فردة من حذائه ورمى بها ام إبراهيم بقوة ومن قرب فوقعت في صدرها حيث اقترب يريد ضربها بيده لكن الذين كانوا معه أوقفوه وبكت أم إبراهيم وبكى إبراهيم وبكى كل أفراد الاسرة
الذين لم يناموا ليلتها من شدة القهر والذل الذي شعروا به
وكان إبراهيم يعلم أن الرامي تمت تبرئته بسبب ابوه ويقول لوالدته : لو ابوية حي كان ما يقدرون يفعلون بنا هذا
صح فتقول والدته : أي وربي ما يقدرون
ومنعت أم إبراهيم أبنائها وبناتها من الحديث عن أحداث تلك الليلة نهائيا حتى لا تزيد المشاكل خاصة وهي بلا أخوة يحمونها
عانى إبراهيم نفسيا من الظلم الذي لحق به ووالدته ومن عمه بالذات عانى كثيرا ومال إلى الصمت والعزلة كما ظلت صورة ارتطام الحذاء بصدر والدته لا تفارق خياله وكلما راى عمه ازداد حزنا وألما
بل وبدا يحدث نفسه بأنه سينتقم لوالدته من عمه ولو بعد حين
وسارت الأيام بإبراهيم وبدأ ينضج ولاحظ ان تعامل الأقارب مع أسرته فيه انتقاص لهم وظلم فقد كانوا مثلا لايدعونهم للمناسبات
ولا يقدرونهم ويسمونهم الأيتام بل وظلموا كثيرا في أراضي وغيرها وكانوا يتحدثون عن أسرته بالسوء حتى أنهم ساهموا في رد أكثر من شخص جاء لخطبة اخوات إبراهيم ! كما علموا من خلال أحاديث النساء
وهو مازاد حقد إبراهيم على المجتمع ككل
حيث كان الخطّاب يذهبون لعم إبراهيم بصفته المسؤول عنهم فيقول لهم : البنات عادهم صغار ! وظل لسنوات يرد الخطاب بهذه الحجة
كان إبراهيم إذا قابل عمه في أي مكان لا يسلم عليه أبدا منذ الحادثة
بل كان الأمر المؤلم أنه عرف بعد ذلك أن عمه كان يريد الزواج بأمه بعد وفاة والده لكنها رفضت حبا في أبنائها
حيث أيقن إبراهيم حينها أن اتهامه عبارة عن جريمة انتقام سخيفة من أمه ومنه دبرها عمه وبتآمر البقية معه
فازداد حقدا على الجميع
بعد نجاح إبراهيم من المتوسطة توقف عن الدراسة وظل يعمل في المزارع ثم التحق بالعسكرية وأصبح موظفا وهو في العشرين من عمره
وبعد سنتين من الوظيفة تزوج
وكان إخوانه و أخواته قد تزوجوا جميعا قبله
وبعد سنوات وإبراهيم في الثلاثين تقريبا وعمه في السبعين تقريبا التقى إبراهيم بعمه وكالعادة مضى وتركه لكن عمه الذي يبدو أن قناعاته تغيرت وندم على ظلمه لأبناء أخيه نادى إبراهيم وقال له : يبوك يا إبراهيم عادك حامل عليّه يبوك اسمحني واعف عني قد تسامحت من ولدتك وقالت لي تسامح من إبراهيم أولا
فرد عليه إبراهيم : لن اسامحك لا أنا ولا ولدتي إلا بعد أن يضرب حذائي في صدرك
كما فعلت بوالدتي
قال عمه : هاك هذا صدري .. وزيدة حط حاذيك في وجهي إذا هذا يرضيك بس سامحني وخل ولدتك تسامحني فقال إبراهيم : أنت رضيت العيب لنفسك وضربت حرمة وتبغاني أكون مثلك واضرب رجل كبير في السن لا هذا عيب أيضا وأنا تربيت أني ما افعل العيب ومضى إبراهيم وهو يسمع عمه ينادي يا إبراهيم يا إبراهيم يا إبراهيم حتى غاب صوته وإبراهيم يقول لنفسه :سأتركه يتجرع مرارة الندم حتى يموت
وهو ما حدث فعلا فقد مات عمه دون أن يسامحه إبراهيم ولا أمه رغم محاولات عمه وتوسطه ببعض الأقارب
كان إبراهيم يرفض المسامحة ويقول لنفسه ( نحن لا نستطيع تغيير كل ماهو في نفوسنا هناك أمور تستعصي على التغيير )
وهكذا تحولت إنسانية إبراهيم وعاطفته التي تشرّبها من والدته الى حزن وألم بسبب صدمات الحياة
وتحول إبراهيم نفسه إلى إنسان مختلف
حيث كان من الداخل مليء بالإنسانية والعاطفة والرحمة والتي تملأ كل اوردته حتى انه كان يبكي لأبسط المواقف لكنه تعلم أن يبكي بلا دموع وأن يكتم انسانيته وعاطفته
بينما من الخارج كان يميل إلى الصمت والعزلة وإظهار القسوة والابتعاد عن الناس وأن تعامل مع الناس يتعامل بحذر شديد
وجعل مبدأه أنه لا يبادر بالإساءة أبدا
ولا يظلم أحدا
لكنه لا يتسامح أبدا أمام أي إساءة ويقابلها بقاعدة ( الصاع صاعين )
لقد تركت مواقف الماضي أخاديد كثيرة في قلب إبراهيم وشروخ عميقة في روحه عجز الزمن أن يعالجها حيث كان إبراهيم يردد دائما : آثار اليتم تستعصي على الزمن والسن والعلم والوعي
ونحن لا نستطيع أن نغيّر كل ماهو داخل نفوسنا
وكم من أناس قلوبهم في رقة الورد ونقاء المطر

لكن تراكمات الحياة ..
حولتهم إلى قُساة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى