فن

أثرُ اللغة العربيَة في رحلتي الضادية –

أ: عنبر المطيري

ومضت نائمة تحت أجفانِ العمر لغتي .

صمتُ في ظلِ رحلتي الحياتية عالقة بين فجرٍ ساكنٍ ، وليلٍ مُبهمٍ ، تائهٍ في زحام الحياة .
قضى نحبه في عقد وعليها يزيدُ سبعاً لم ير النور وبعد انعطافٍ ألم بي ، وخيبةٍ رفعت لي السلام حينها فقط داهمتني حِرقةُ الهروب ، شرخت في نبضي نزيفاً يتيما لم يجد بجانبه إلا “الضاد” أُمـاً –
والتي مثلت حينها طوقَ نجاةٍ فعدتُ أتصفحُ برامجَ التواصلِ وكان وقتها الفيس بوك وعالم تويتر الذي سرقني ببراعته ، وخياله ، وروعةِ أنامل منسوبيه لا أسرحَ بالخيال فيه وعبر رحلة الخذلان إلى نفسي التي وجدت من الخيبةِ غيمة طرقت بها مشاعر العاطفة وهي تأن لتنتثر منها الكلمات سيلاً عبقاً لم أتعب حينها في رصها أبداً بسبب تأصل الموهبة والتي بدأت بوادرها من مراحلٍ مُبكرة جداً كالمرحلةِ المتوسطة ،
وبعد عامٍ أو يزيد كتبتُ قصة مؤلمة طويلة تُدمي القلب بالحدث والشعور في المرحلةِ الثانوية وعند التحاقي بعش الزوجية والمرحلة الجامعية كفنت كلماتي ودفنتها في مصير مجهول لمدة سبعة عشر عاماً لم تر حينها النور إلا بعد مرورها إذ فاقت من جثمانها على صهيل رواية انهيتها في فترةٍ قصيرةٍ جداً .
رواية أخذت من الغصنِ الثبات وراقت في تفاصيلها الأحداث المُدهشة وأينعت بختامٍ مجهول ومصير لم يلق حتفه .
ثم أينعتُ حسابي عبر الفيس بوك بروعات كتاباتي التي والله لايحضرني منها الان شيء ومقالاتي التي كتبتها في ذلك الوقت .
أما تويتر فكانت ١٤٠ حرفاً تحتضنُ خواطري الدامية . فقد وجدتُ في تويتر حاجتي المفقوده اعتبرته حلقة وصل بيني وبين ذاتي ، انهمكت في قراءة المُدهش ، والعظيم ، والبسيط ، والرائع من مرتادي ذلك العالم الجميل .
نجوتُ بي من مصارع الخيبات وسموم الموت التي تعثرت بها أحزاني وكان للغة العربية فضلٌ كبيرٌ لاحتضاني من معارك التيه ومرافق الشعور التي احتمت بحرفي حتى كانت سياجاً من الورد وإن حفها شوك الحزن وشيء من قضمة الهم الذي كان يُشعلُ تلك الكلمات بشعور دافئ .
مرت سنتان وأنا أحتضن رواية عملاقة ، وخواطر دافئة ، وصوت الشارع الذي يهمني فيه صوت المجتمع أبحث عن مايخنق الأوتار لأجد فيه ضالتي و أنسج على اثرها مقالاتي التي كنت أعبر فيها عن رأيي بصوت الأديب المتمكن ..
إذ إن اللغة سادت وأصبحت هي الحضن الدافئ لكل من كان قلبه محطة لعثرات المواقف والمناظر وأهازيج الألم بكل مستوياته .
وبعد شيء من الوقت تطورتُ بعض الشيء لأجد خواطري تلد بطريقة أخرى و بوشاح آخر تسامت على رحيقه التحايا والإعجاب .
وفتحت لي قصيدة النثر ذراعيها لأجدني من منسوبيها . تراقصت على لساني روعاتها بكل موضوعاتها مُدميةً أم فرحه في النهاية هي تعبر عن شعور خنقته الأضلاع .
وبعد مزيدٍ من الوقت الجميل ومن مزيد الحب هذا إلى حبٍ أكبر لأجدني صاحبةَ مجلة معزوفات مخملية ويقوم على نتاجها كبار الأدباء والأديبات الذين أشعلوا صفحاتها بروعة بنانهم وصدق مشاعرهم الأخوية وأوجه لهم من هنا رسالة شكر مليئة بالتحايا الودية عبر كل قلم نهضت على يديه مجلة معزوفات مخملية والتي قاربت الاحتفال بميلادها الثاني –
وبعد عودتي للكتابة بثلاث سنوات صدر كتابي الأول “خمائل عنبرية” يحتوي على خواطري وقصائدي النثرية ، وزاد الجمال روعةً تصميم الأستاذ الراقي “ياسر عارف ”
لغلاف كتابي مما جعل الكتاب كرقصة زيزفون في ميلادِها الأول –
وكل يومٍ ونحنُ في شأن للغة العربية مكانة عظيمة في أنفس كتابها الذين احتضنت الآمهم وأفراحهم وفي الحقيقة أجد أن للغة العربية كل يومٍ ميلاداً جديداً تستحق أن نحتفي بها كأم ضادية كبيرة حُضْنها أوسع من كل محيطات العالم .

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. إن الحمد لله نحمَده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيِّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.

    أما بعد:
    فقد شاع نعتُ اللِّسان العربي بأنه لغة الضاد، فهل هذه السِّمة صحيحة؟ وهل العربية هي لغة الضاد فعلاً؟ أم أن ثمة صوتًا آخرَ يُزاحِم الضاد على هذه المكانة التي تبوأتها ردحًا طويلاً من الزمن؟

    تُحاول هذه المقالة – والتي هي في الواقع جزءٌ من دراسة مطوَّلة – أن تسلِّط بعض الأضواء على هذه المسألة.

    أكثر الألسن توظيفًا لصوت الضاد:
    تُعَدُّ أصوات العربية بصفةٍ عامَّة امتدادًا مباشرًا للأصوات التي افترض العلماء وجودَها في اللغة السَّامية الأولى، وتلك الأصوات – شأنُها شأنُ سائر اللُّغات المتفرِّعة عن السَّامية الأمِّ – أصاب عددًا منها جُملةٌ من التغيُّرات.

    ومن بين الأصوات التي كانت عرضةً للتَّغيُّر في عددٍ من السَّاميات: صوت الضاد؛ فهي تقابِلُ: “العين في الآرامية” و”تُقابل: صادًا في اللغة الأكادية والأوجاريتية والعبرية؛ فكلمة: “أرض” في العربية تُقابل: كلمةَ “ersetu” في الأكادية، وكلمة: “ars” في الأوجاريتية، وكلمة “eres” في العبرية، كما تُقابل الضادُ غَينًا في السُّريانية، مثل: “ara” بمعنى “أرض” كذلك، ولم تبق ضادًا إلاَّ في العربية الشمالية والعربية الجنوبية “السَّبئِية والمَعِينية” والحَبَشية، مثل كلمة: “rd” في العربية الجنوبية بمعنى “أرض” كذلك، وكلمة “dahny” بمعنى: “الشمس، الضحى” في الحبشية”، فهكذا تحوَّلت الضَّاد في غير العربية؛ إمَّا إلى صاد، وإمَّا إلى غين، وإمَّا إلى عين.

    ويُعَدُّ هذا التَّغيُّرُ الأخير في صوت الضاد من أصعب التَّحوُّلات الصَّوتية تفسيرًا.

    تلك التغيُّرات التي لحِقت صَوتَ الضاد ترجعُ أساسًا إلى خصائصَ تُميِّزُه، جعلت نُطقَه عسيرًا على غالب الألسن السَّامية، فضلاً عن غيرها؛ لذا بَدَت الأفواهُ المقتدِرَة على صناعته مُميَّزةً، ولكون اللِّسان العربي من الألسُن القليلة التي تنطِقُه صار وصفُ (لغة الضاد) عَلَمًا على العربيَّةِ، فإذا أُطلق لم يَنصرِف إلاَّ إليها، وبه غدَا يُنعَتُ أهلُها، وها هُو ذا أبو الطيِّب المتنبي “ت354هـ” يُنشِد مُفتخِرًا:

    لاَ بِقَوْمِي شَرُفْتُ بَلْ شَرُفُوا بِي
    وَبِنَفْسِي فَخَرْتُ لاَ بِجُدُودِي

    وَبِهِمْ فَخْرُ كُلِّ مَنْ نَطَقَ الضَّا
    دَ وَعَوذُ الْجَانِي وَغَوْثُ الطََّرِيدِ

    لكن هل نُطقُ الضادِ مقصورٌ على العرب فِعلاً؟ وهل يختصُّ لسانُهم بهذا الصَّوت دون بقيَّة الألسُن؟

    نظريًّا لا يختلف عاقلان أن الحُكم على صوتٍ ما بأنه حِكرٌ على لسانٍ بعَينه، لا يتأتَّى إلا بعد استقراء جميع لغات البشر، وهيهاتَ لإنسانٍ أن يستقرئ جميع أنواع اللسان، فهذا الشافعيُّ “ت 204هـ” يقول: “ولسان العرب أوسعُ الألسنة مذهبًا، وأكثرها ألفاظًا، ولا نعلمه يُحيط بجميع علمِه إنسانٌ غير نبيٍّ، ولكنه لا يذهب منه شيء على عامَّتها حتى لا يكون موجودًا فيها مَن يعرفه”، فإذا كانت الإحاطة باللسان العربي نفسِه مُمتنِعة، مع أنَّ أهلَه كانوا موجودين في رقعة جغرافية محدَّدة؛ فكيف الإحاطة بلغات سائر البشر، والحكم على صوت أو أصوات بعينِها بأنه قد خُصَّت به لغة دون بقيَّة اللغات؟!

    ولأنَّ النُّصوص الدينيَّة تُعتبَر مُلزِمةً في مثل هذه المواضع؛ لكونِها تنتهي إلى مصدرٍ معصوم؛ فقد راح بعضهم يُفتِّش فيها عمَّا يُقوِّي ذاك القول، فجاء بحديث عن النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – أنه قال: ((أنا أفصحُ مَن نطق بالضَّاد؛ بيدَ أني من قريش))، وفَهِمَ هؤلاء من الخبَر اختصاصَ الجنس العربي بهذا الصَّوت اللُّغَوي.

    يرُدُّ القَسْطلاَّني على هؤلاء قائلاً: “لا ريب أنه – صلَّى الله عليه وسلَّم – أفصحُ من نطق بها، إلا أن الحديث كما قال ابنُ كثير الحافظُ: لا أصل له!. يعني: أنه لا إسنادَ له، فهو أوهى من الموضوع، فإنْ كانت تسمية اللُّغة العربية “لغة الضاد” جاءت اعتمادًا على هذا الخبر، فقد سقطت هذه الدَّعوى، وعلى فرض صحته، فهو لا يُشير – لا من قريبٍ، ولا من بعيدٍ – إلى تفرُّد العرب بهذا الصوت دون غيرهم.

    وقد استدلَّ أصحاب هذه المقالة – أيضًا – بما رُوِي عن الأصمعي “ت216هـ”: “ليس للرُّوم ضاد، ولا للفرس ثاءٌ، ولا للسُّريان دالٌ أو ذالٌ؟”وهذا الكلام ليس فيه إلا نفيُ وجود الضاد في لغة الروم، لا نفيها عن لغات العجم عمومًا، ثم تكراره لأداة النفي: “لا” فيه دليلٌ على أنه تتبَّع أصواتًا بعينها في ألسنة أممٍ بعَينها فَافتقدها، لا أنَّه قصد أن تلك الأصوات منفيَّةٌ عن غير العربيَّة؛ بدليل أنه لم يزعم أحدٌ اختصاصَ العرب بالثاء والذال، وهما واردان في كلام الأصمعي بسياق النَّفي نفسه الذي جاء به صوت الضَّاد.

    وممَّا استدلَّ به هؤلاء أيضًا: عدم وجود كلمات ضادية في المعرَّب من الكلام الأعجمي؛ يقول الجواليقي “ت540هـ”: “وليس للضاد والظاء بابٌ؛ لأنَّ هذين الحرفين لم ينطِق بهما سوى العرب”لكنَّ هذا التَّعليل تُسقطه لغة الأرقام؛ إذ إن نسبة المعرَّبات لا تتجاوز بضع عشَرات من الكلمات في كل المعجم العربي، وصوت الضاد نسبته في الكلم العربي لا تجاوز الستِّةَ بالألف، فمن البدَهي ألا نظفرَ بكلمات ضادية ولا ظائية في المعرَّبات.

    وإذا كانت طائفةٌ من المتقدِّمين قد ادَّعت خصوصيَّة صوت الضاد بالعرب دون سائر الأمم، فإنَّ طائفةً أخرى نَفَت ذلك، ومنهم ابن دُرَيد “ت321 هـ” الذي يقول: “ستة أحرف للعرب، ولقليل من العجم؛ وهن: العين، والصاد، والضاد، والقاف، والطاء، والثاء”

  2. يا الله يا عنبر الحرف الودق الرقراق
    أبحرت مع حرفكِ في تلك الرحلة من أولها
    من الزمن الجميل إبان المتوسطة إلى نهاية حيث محطات العالم ..

    رحلة مشوقة ماتعة في تفاصيلها سواء كانت فرحا أم ترحا . .
    مبدعة أنتِ يا ريحة العنبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى