الخميس 20/09/2018

 



الإدارة - نقاط عمياء *١
   

2017-10-23 18:18:58

11898

ربما لن أخطئ بالقول أنه قد مر على مجتمعنا أكثر من ٦٠ عاما منذ ان مارست بعض قطاعاته الإدارة ، ويمكن لبعضنا انً يتذكر أنه قد سمع لفظ(مدير ) منذ ذلك الوقت ! 
لا يجدر بِنَا الإحتفال ، لأنه ومع مرور أكثر من نصف قرن ، لازالت بعض قطاعاتنا ، تعيش في مراحل متدنية من النضج الاداري . عند الحديث عن النضج الإداري ، أتحدث عن : •مستوى عالي من الأداء العام للفاعلين في القطاعين العام والخاص ، ويشتمل على ، الكفاءة [فعل الشئ الصحيح ] والفعالية [ فعل الشئ بطريقة صحيحة ] والتي يتم من خلالها إدارة المنشأة ، والتي يتم من خلالها الإنجاز . •النضج في الإجراءات الإدارية أو ما يطلق عليها آليات العمل ، في طرق العمل ، سرعة الإنجاز ، •أداء مؤسساتي يؤدي في نهابة المطاف الى مستوى رضا عالي من قبل المستخدم للخدمة التي يؤديها القطاع للعميل ، الزبون أو المواطن ، أكان قطاع عام أو خاص! هذا يحدده : سرعة إنجاز المعاملات . •الاحترافية والمهنية في تعامل اصحاب المكاتب الاماميه مع المراجعين [الذين يعرفونهم والذين لايعرفونهم !!!!] يرتبط النضج الإداري لأي مؤسسة بالخبرة التراكمية ومنحنى التعلم المؤسساتي .
هذه الخبرة تكتسب بعد التأسيس الأولي من عمليات الخطأ والصواب التي مر بها جميع العاملين بما فيهم المسؤلين والتي تترجم الى قدرات ومهارات التي اكتسبها موظفو قسم ، إدارة ، هيئة ، مؤسسة ، شركة أو وزارة عبر السنين [ حتى مع تبدل ( إحلال ) العاملين لأي سبب كان ] . يمكن تسريع أو إبطاء النضج الإداري عبر برامج التطوير والتغيير أوعدمه والتي لن تظهر الى الوجود إلا عبر القيادة التغييرية [ مبادرة من قبل المدير أو القيادي ] تختلف مستويات النضج الإداري وذلك بإختلاف القطاع الذي نتحدث عنه ، خاصآ كان او عامآ وتختلف كذلك داخل كل قطاع !
مثلا القطاعات الصناعية والخدمية الكبرى وصلت إلى درجة عالية من الأداء والإنجاز ، وهذا يجعلها في مقدمة القطاعات في النضج الإداري ، يليها قطاع الشركات والمؤسسات المتوسطة والصغيرة ، والتي تختلف في درجات النضج الإداري . دعونا نضرب مثال بالقطاع العام ماذا نرى .؟ تنطبق فكرة النضج الإداري على القطاع العام ، حيث يمكن التأكيد على : *إختلاف النضج الإداري بإختلاف الوزارة أو الإدارة أو الهيئة ...الخ. *تدني النضج الإداري يظهر على شكل مشاكل إدارية ، بعضها لم ترتكب من قبل المسؤؤلين الحاليين ، بل تكونت بشكل تراكمي من قبل من سبقوهم من المسؤولين ، والذين كانوا مجرد "مدراء" [لم يكن لهم مبادرة على تطوير العمل وتحسين الإجراءات او تغيير ثقافة بيئة العمل ]. أمثلة : • أن المقاربة التي اتبعتها مصلحة المياه ( شركة المياه الوطنية ) في تعاطيها مع أزمة فواتير المياه (في إحدى المحافظات ) تدل على عدم نضج إداري تجلى في
عدم تعاطيها بشفافية مع الأزمة ،
لم يخرج أي إعلان يوضح المشكلة ، ولَم يتم التواصل بشكل مهني مع المستهلكين . أسئلة مثل ، ما سبب إرتفاع فواتير المياه ؟ هل هي مشكلة في الحاسوب ! أم مشكلة في عددات الماء أو قاريء العدادات ! ....المستهلك لايعلم ، المصلحة( الشركة ) تعلم ، ولكنها لم تحسن إدارة الأزمة !! لم يتم التعاطي بإحترافية مع المراجعين ، بل أن المراجعين ومع شعورهم بوجود مشكلة ( إن لم نقل ازمة ) بل قل أزمة !! وجدوا أن أصحاب المكاتب يعاملونهم ، وكأن الوضع طبيعي !
باختصار ، لقد فشلت مصلحة ( شركة ) المياه في إدارة الأزمة ! •يعد مطارجدة من المطارات الوطنية المهمة ، كون مدينة جدة بوابة مكه المكرمة ، ومع هذا يظهر مستوى متدني من النضج الاداري . . ففي صالة الرحلات الداخلية من وإلى مطار جدة تجد العجب . لن أتكلم عن المبنى بل أتحدث عن الجانب الإداري ، تحس وأنت في المطار وكأن القائمين عليه ليس لديهم عقود من الزمن في إدارة مرفق مثل المطار . عديدة هي الملاحظات التي يمكن قولها ، لكن يبقى الصراخ العالي وليس الكلام أشدها وضوحآ. •نشاطات إدارية مثل إدارة المشاريع ،[والتي من ضمنها إدارة الاولويات ] لازالت في مراحل مبكرة من النضج الإداري . أن المعلومات التي تم تداولها منذ فترة غير قصيرة بخصوص عدد المشاريع المتعثرة و تكلفتها تصيبك بالذهول !
لعله من المؤسف القول أن الحكم على درجة النضج في إدارة المشاريع لانحتاج إلى إثبات فالمعايير المتدنية لبعض مشاريع البنية التحتية والمباني واضحة للعيان . من ناحية أخرى وفي الإطار العام لمظاهر عدم النضج الإداري في بعض الإدارات الحكومية تبرز النقاط التالية : •طول المدة الذي تستغرقه بعض المعاملات . هل يعقل ان تأخذ بعض المعاملات ربما سنوات لكي يتم إنجازها .؟ •اللامبالاه من قبل موظفي المكاتب تجاه المراجعين .
واللامبالاه من قبل موظفي المكاتب تجاه المراجع الداخلي الذي هو زميله في العمل ، مما يؤثر في انسيابية العمل. •عدم التقيد بالوقت الذي يعطى الى المراجعين ، فيقع المراجع تحت رحمة أصحاب المكاتب الرسمية . •عدم إحترام الوعود االتى تعطى الى المراجعين . •إتباع الهوى والمزاج من قبل موظفي المكاتب المواجهه للمراجعين . لكن يتبادرالى الذهن سؤال : مالسبب في تأخر النضج الإداري لبعض الإدارات و الهيئات عن غيرها ؟ إنه : النمط الإداري + العمليات الداخلية التي لم يتم تغيير بعضها ربما لسنوات + ثقافة بيئة العمل + غياب القيادة في الإدارة ، القسم .... ظهرت في الآونة الأخيرة منظومة من التطبيقات الرقمية والتي تمت تحت مسمى الحكومة الالكترونية وتشتمل على تطبيقات رقمية متنوعة في الكثير من الإدارات الحكومية . إن هذه المنظومة المتعددة من التطبيقات تمثل إستثمار عالي في التقنية- لاحظ أني أستخدم لفظ إستثمار بدل إنفاق ، لأن الأول يعني ان وراء تلك التطبيقات مردود ( وليس بالشرط أن يكون مادي بقدر ما هو يخدم المستفيد من الخدمة ) ( مثال على ذلك نظام أبشر ) بينما الآخر لايعني ذلك - وهو يعني رغبة صريحة في تطوير العمل .
من المؤكد ان هذه التطبيقات قد ساهمت في تسهيل كثير من معاملات المواطنين ووفرت مناخ حديث للخدمات الحكومية ، لكن من المؤسف انه لم يرافقه اَي تغير في سلوك أصحاب المكاتب الاماميه المواجهه للجمهور ! إن تبني أي تقنيات أو تطبيقات لا يعد ناجح بالمقاييس العالمية ما لم يرافقه تغير ثقافي ، أي تغير سلوكي تجاه المراجعين بالإضافة طبعا إلى أمور أخرى وأهمها إستخدام المعلومات التي يتم الحصول عليها من البيانات التي يتم جمعها ( وتحليلها ) ( بهدف ) في تطوير ( ورفع كفاءة )العمل . ليس هذا فقط ، بل إن التبني الناجح للتقنيات لايعد ذو مردود إذا لم يوازيه تغير أبعاد مؤسساتية مثل : تغيير الهياكل التنظيمية ، آليات العمل الداخلية [ التي في الكواليس ] ، الوصف الوظيفي ، الثقافة ، مهارات الموظفين .... نقاط ادارية عمياء تخص تبني التطبيقات الرقميه : •هل يتم تحسين وتغيير العمليات الداخلية ضمن تبني التطبيقات الرقمية . •هل يتم الاستفادة من المعلومات التي توفرها تلك التطبيقات في إدارة الادارة او القسم في تحسبن الأداء. ربما يقول قائل ان مبادارات تبني التطبيقات الالكترونية ستحل جميع المشاكل !! هذ الاعتقاد غير دقيق ، لان التطبيقات الحديثة تختلف فائدتها وتأثيرها حسب نوعية
العمل المراد أتمتتة .
فإذا كان القطاع كثيف البيانات ، مثل الجوازات ، الأحوال المدنية فتبني التطبيقات يظهر اثره في تحسين سرعة إنجاز المعاملات ، [ لان البيانات محفوظة في قواعد البيانات] ، اما اذا كان تبني التطبيقات في بيئة عمل غير كثيفة البيانات ، بل يحتاج الى تنفيذ إجراءات داخلية عن طريق التدخل البشري فالوضع يختلف لان إنجاز العمل يرتبط بجهد بشري !! من الأمور المفروغ منها أن النمط الاداري والممارسات الإدارية لأي بلد تستمد جذورها من الثقافة الوطنية *٢ . على هذا الأساس ، أقترح على من يتذمر من تعرضه لمشاكل في مراجعة الدوائر الحكومية أن لا يكثر من الشكوى ، ولا أن يتوقع أي تغيير ، لأن هذا الواقع الإداري يعكس الثقافة المحلية وليس بمستورد . من المظاهر الإدارية السلبية التي يمكن ملاحظتها جديرة ان تذكر لأهميتها : •عندما يأتي أحدهم وقد حصل على درجه عليا في الإدارة يكون من الطبيعي أن يطبق ما تعلمه في مجال العمل الذي التحق به .لكن ، الواقع يقول أن نسبة عالية منهم ، لايأتون بجديد مما تعلّموه ، بل الثقافة المحلية التي حملها معه تتغلب على ما تعلمه . •إن حضور دورات تدريبية من قبل الموظفين لا يعني وبشكل اوتوماتيكي ( تلقائي ) تحسن في الأداء !! •مع كثرة موظفي المديريات والهيئات الذين يحملون شهادات جامعية ( درجات علمية )، وبعضها من الخارج ، ومع هذا لازال مستوى النضج الاداري يراوح مكانه . من الصعب الحديث عن الإدارة في الإدارات والأقسام الحكومية وتجاهل الدور الذي قام ويقوم به معهد الإدارة العامة في تطوير وتنمية القدرات الإدارية لموظفي الدولة وقيادييها ،
بعد حوالي ٥٠ عام في خدمة الدولة ، يصبح من الأهمية بمكان إجراء تقييم كامل للدور الذي قام به المعهد طول تلك السنين ، ومن ثم الانتقال الى المرحلة ( مرحلة الإصلاح الإداري ) التالية : مبادرة تحول مؤسساتي بناء على رؤية جديدة. شهد علم الإدارة في السنوات الثلاثين الماضية تغيرات متسارعة ، و عميقة تم فيها الاستغناء عن نظريات سابقة واستبدالها .
هذه التغييرات في النظريات الإدارية ظهرت على شكل نظريات حديثة في التنظيم الإداري ، إدارة الأفراد ، طرق التحفيز ، إعادة هندسة الممارسات الإدارية والاجراءات .
المنظمة المتعلمة ،.. . مضى على البيروقراطية كمفهوم إداري أكثر من ١٢٠ عام منذ أن نظر لها ماكس فيبر المفكر الألماني في أواخر القرن التاسع عشر، لقد أدت مهمتها ولكنها لم تعد تلبي حاجة المجتمعات الحديثة لما فيها من عيوب !

لقد حان الوقت ونحن على أعتاب نهاية العقد الثاني من القرن ٢١ ان نقوم بتحديث الفكر والممارسة الإدارية والذي بالتأكيد سوف يحل الكثير من المشاكل الإدارية التي تواجهها بعض الإدارات . هذه ليست دعوة الى إعادة اختراع بل الإستفادة من النظريات الإدارية الحديثة المتوفرة لمن يريد الإستفادة من تجارب الآخرين . القضية لا تحتاج أكثر من المبادرة. موضوع اخر لاعلاقة له بالنضج الاداري ، ولن تفيد فيه التطبيقات الرقميه ، بل يرتبط بطبيعة العمل ، وهو التقاضي بين الأطراف المختلفة . لا بخلو مجتمع من تخاصم والتي بتم معالجتها في المحاكم .لكن للأسف الشديد تتسم محاكمنابطول مدة التقاضي والذي قد يأخذ في الغالب سنوات ، ولايقف الموضوع عند هدا الحد بل انه ومع النطق بالحكم يأخذ التنفيذ سنوات اخرى !! لعل النظام القضائي ، من الأنظمة الإدارية القليلة و التي يمكن توضيح سمة " الاحتقان " و" الاكتظاظ" داخل النظام بسهولة . عندما يكون معدل سرعة خروج المخرجات [ سرعة إنجاز والبت في القضايا ] أبطأ من سرعة دخول المدخلات الى النظام [ سرعة دخول قضايا جديدة ] ، يحدث ما يطلق عليه اكتظاظ او احتقان مما يسبب ارباك داخل النظام ، ينتج عنه عدم القدرة على ألَّبت في القضايا بفعالية وكفاءة . !! اَي ان النظام يمكن ان يصاب ، من الناحية النظرية بالشلل !!.. ، الى ان تصل الحالة في وقت من الأوقات الى عدم قدرة النظام القضائي معالجتها . هذه الحالة تسبب حالة إرهاق شديدة للقضاة وتوتر مما ينتج عنه حالة من الارتباك تتزايد مع زيادة نصيب كل قاضي من القضايا الجديدة !!. وهذا بدوره يؤدي الى تأخير في إنجاز القضايا الجديدة !!!. من ناحية اخرى دعونا نتخيل اننا قمنا بربط كل متخاصم في مجتمعنا بخصمه [كان فردآ او مؤسسة ] بخيط افتراضي لوجدنا تشكل "كومة " او " شبكة " من الخيوط المتصلة بين المتخاصمين [ اصحاب القضايا الغير منجزة ] وبما ان ألَّبت بين هذه الخصومات تأخذ وقتآ طويلا فانه ومع مرور السنين فهذه الشبكة تأخذ في التضخم يومآ بعد يوم مما يؤدي الى مجتمع ملئ بالخلافات القضائية .!! هذا الوضع له أثار كارثية على المتخاصمين واصحاب الحقوق ، نفسية و اقتصادية !! في حالة الخصومات المالية يعد تأخير ألَّبت في القضايا وتأخير تنفيذ الأحكام في حالة صدورها ذو أثر سلبي على العجلة الاقتصادية ، والتي احداها التأثير في اضاعة الفرص الاستثمارية على المواطنين ، رجال الاعمال والمستثمرين . أتمنى من المسؤؤلين ، في الإدارات والاقسام الحكومية ان يتصفوا بالروح القيادية ويبادروا الى تبني مايتعارف على تسميته بالتحول المؤسساتي [ وهو موضوع ساقوم بمناقشته في احد المقالات القادمة ان شاء الله ] ويتضمن مايلي : * تبني مبادرات تطوير وتحسين للاجراءات الخاصة بالمعاملات التي تعاني من بطئ في الإنجاز والتي تثقل كاهل المراجعين ، * تبني مبادرات تؤدي الى تغيير قواعد السلوك المرتبطة بطرق التعامل مع مراجعي المكاتب . أخيرا ، في أثناء كتابة هذ المقال تداعت من الذاكرة كلمة كنت اسمعها في مجتمعنا الصغير والكبير ، فأحببت ان تشاركوني فيها ، وتتأملوا معي بقية الْيَوْمَ فيها لعلها تذكركم بموقف في العمل كموظف او وانت في دائرة كمراجع : "قلة الدبرة " او "قليل الدبرة ".
هذا المصطلح البسيط يعني سؤء الادارة ! . أخي / اختي القارئ /القارئة احفظها / احفظيها ربما تحتاج/تحتاجين الى استخدامها في المستقبل القريب أو البعيد !!! خالد عيسى المحيفيظ
صفر ١٤٣٩هـ
أكتوبر٢٠١٧م *١ [اقصد بالنقاط العمياء: موضوع يكون الفرد /المجتمع قد تجاهله لكون لديه حساسية تجاه مناقشته ] *٢ نسمع دائمآ التعابير التالية والتي تدل على الثقافة المحلية المرتبطة باانجاز الاعمال :على خَر أذنه ، استر على ماواجهت ، شربت مرورقها ! بقلم/
خالد بن عيسى المحيفيظ


عرض للطباعة
Share |
أضف تعليق
الإسم : *
البريد الالكتروني : *
الدولة : *
محتوي التعليق : *