الاثنين 11/12/2017

 



انتهاك حقوق الملكية الفكرية بمواقـع التـواصل.. متـى يتوقــف؟
   

2017-09-30 19:20:00

9335

أضواء المستقبل - متابعات :   كتب الشاعر والناقد المصري الراحل إبراهيم عبدالقادر المازني في مقدمة كتابه "حصاد الهشيم" مخاطبًا القارئ، إذ يقول: "هذه مقالات مختلفة في مواضيع شتى كُتبت في أوقات متفاوتة وفي أحوال وظروف لا علم لك بها ولا خبر، وقد جُمعت الآن وطُبعت، وتباع المجموعة منها بعشرة قروش لا أكثر، ولستُ أدعي لنفسي شيئًا من العمق أو الابتكار أو السداد، ولا أزعمها ستحدث انقلابًا فكريًا في مصر، ولكني أقسم لك أنك تشتري عصارة عقلي وهو واسع ومجهود أعصابي وهي سقيمة. تعال نتحاسب، إن في الكتاب أكثر من أربعين مقالًا تختلف طولاً وقصرًا وعمقًا وضحولة، وأنت تشتري كل أربع منها بقرش". رسالة المازني للقارئ، التي مر عليها أكثر من مئة عام، تمثل دلالة واضحة على هدر حقوق المؤلف، والبخس بإبداعه الرصين، وهي إشكالية قديمة، تتصل اتصالًا وثيقًا بقوانين حقوق الملكية الفكرية، والقائمين على تطبيقها، والدول محل التطبيق، لأن تطبيق قوانينها يرتبط بمحددات كثيرة، فمثلًا المجتمع العربي لن تكون من أولوياته مراعاة حقوق المؤلف والناشر وشراء الكتب الأصلية ومحاربة التزوير، في حين إمكانية حصوله على نفس الكتاب بسعر أقل بطبعة أقل جودة. ازداد انتهاك حقوق الملكية الفكرية مع ظهور مواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت بشكل عام، فأصبحت سوقًا وفضاء بلا قواعد أو قانون. خسائر مالية وفي حديثه لـ"الرياض"، يقول المستشار الدكتور عمرو شكري القبطان، خبير أمن المعلومات وجرائم الإنترنت، إن القانون المصري رقم 82 لسنة 2002 المنظم لحقوق الملكية الفكرية، بالرغم أنه منح حقوقاً استئثارية لكل من المؤلف والمؤدى أو المغني والمنتج على شبكة الإنترنت ومن خلاله منحهم الحق في منع أي نشر أو إتاحة عملهم للجمهور بدون إذن منهم، إلا أنه نتيجة عدم تنظيم قانون الملكية الفكرية سالفة الذكر أو قانون الاتصالات، مسؤولية مقدمي خدمات الانترنت- مثال شبكات الإنترنت والمواقع ومنها السوشيال ميديا مثال الفيس بوك وجوجل ويوتيوب- الأمر الذي نتج عنة عدم إمكانية انفاذ القانون الذي تسببب في خسائر بالمليارات في ضناعة السينما والأغاني والبرمجيات. وأضاف شكري: وجود قصور تشريعي فى التنظيم القانوني المصري متمثل في عدم وجود تشريعات متعلقة بتنظيم الجريمة المعلوماتية والدليل الإلكتروني، وحق المستخدم في الحصول على المعلومات وحماية الخصوصية والتجارة الإلكترونية. ويرى أنه قد حان الوقت لعمل حزمة تشريعات متطورة في هذا المجال على أن يتم تشريعها بمعرفة متخصصين في القانون التكنولوجي مثلها مثل الكثير من الدول العربية. صاحب حق الإعلامي عبدالعزيز العيد يعتبر أن سرقة الأفكار والتغريدات يحدث بشكل واضح، لكنه يلوم على من يريد الحفاظ على ملكيته لأي شيء، ألا يتحدث بها على مواقع التواصل، ويوثقها لدى الجهات المعنية كوزارة التجارة، أو زارة الإعلام، أو مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية. وحتى نصل لتوثيق الحسابات نظاميًا للجميع، سيستحيل على أحد السطو حينها، طالما أقر نظام يمنع الاعتداء ويحدده تعريفًا ويحدد العقوبة المنصوص عليها. فوضى عارمة يعتبر الروائي الكردي جان دوست، أن وسائل التواصل الاجتماعي تشهد فوضى عارمة. ويكاد يجزم أنه لا حقوق مصانة أبدًا. وللأسف الشديد ثمة كتاب يجتهدون ويتعبون حتى يكتبوا جملة لها وزنها ومعناها العميق إلا أن تلك الجملة سُرقت وأصبحت في اليوم التالي ملك لص فيسبوكي أو تويتري وأصبح آلاف من المتابعين ينسبونها له ناسين المصدر الأصلي. بالنسبة له حدث ذلك كثيرًا، ورأى منشوراته القصيرة يتداولها مواطنو دولة الفيسبوك دون أية إشارة للمصدر. لذلك فإنه لا يمكن بطبيعة الحال في الوقت الحاضر ضبط الموضوع بسبب ازدحام مواقع التواصل بأنصاف الكتاب والجهلة والأميين المتطفلين على الإبداع، من وجهة نظره. انتهاك تاريخي الكاتب والقاص أحمد الخميسي (مصر)، يقول: إننا نتساءل عن حقوق الملكية الفكرية في ساحات التواصل الاجتماعي، في حين أن هناك سؤال أسبق وهو: ما هي حقوق الملكية الفكرية لدينا؟ إن كان المؤلف تقريباً لا يتقاضى شيئاً على الإطلاق؟ بل ويقوم غالبية المؤلفين بدفع مبالغ محددة لدور النشر لطباعة أعمالهم.!  ويستعرض "الخميسي" الأزمة منذ عام 1924، حينما كتب عبدالقادر المازني في كتابه "حصاد الهشيم" يخاطب القارئ بقوله: "هذه مقالات مختلفة.. تباع المجموعة بعشرة قروش لا أكثر.. وتعال نتحاسب. إن في الكتاب أكثر من أربعين مقالا تختلف طولا وقصرا وعمقا وضحولة، وأنت تشتري كل أربع منها بقرش! أقليل كل هذا بعشرة قروش؟". ويذكر أن توفيق الحكيم رفع دعوى في الستينيات ضد إحدى دور النشر اللبنانية لأنها تنشر أعماله بدون تصريح منه ولا تعطيه مقابل ذلك شيئاً، ومع ذلك يستمر تجاهل حقوق الملكية الفكرية يوميا وعلنا. وبدخول الجميع إلى عصر الانترنت وساحات التواصل الاجتماعية أصبحت الكتب تنشر متاحة للجميع من دون أي حقوق ملكية، وبعضها يظهر على الانترنت بعد ساعات محدودة من طباعته ولا يتقاضى المؤلفون شيئاً عن ذلك، ومن ثم فإن انتهاك حقوق الملكية الفكرية في ساحات التواصل الاجتماعي هو مجرد استمرار بطريقة أحدث للانتهاك القديم التاريخي لحقوق المؤلف. ولا أظن أن هناك طريقة فعلية لمواجهة ذلك الانتهاك إلا تسليم المؤلف بأن عمله الإبداعي مشاع، وملكية عامة، ولكن لابد من تعويض المؤلف بأجر مرتفع عند طباعة عمله الورقي. لكن مواجهة ذلك الفضاء الالكتروني الشاسع أمر صعب جدا في تقديري. أنا شخصياً أسعد بانتهاك حقوقي الفكرية طالما أن كلماتي ستصل لأكبر عدد من الناس. الضوابط معروفة لكن الدكتورة ملحة عبدالله، ترى أنه لا دخل لوسائل التواصل الاجتماعي بالسرقات الفكرية، لأن الضوابط معروفة والخلل يكمن في التساهل مع الأمر إن حدث ذلك، إذ أنها تعتبر أن السرقات الفكرية في السينما والمسرح واضحة وبكرة أشد وأنكى من وسائل التواصل الاجتماعي لانه يتم السطو على الأفكار وليس نقلها، تناقل الأعمال او نضرها لا يعد سطوا فكرياً. لانه مادام نشر في الإعلام اصبح نقله حقاً, اذا ذكر النقل والمصدر وبهذا تقل حدة ذلك لانها لم تصبح ظاهرة.   غياب الضمير ويعتبر الشاعر الدكتور طلال الجنيبي (الإمارات) أستاذ جامعي متخصص بالإدارة السلوكية، أن ساحات التواصل الاجتماعي أصبحت بفعل الكم المعلوماتي الضخم المتداول لمساحات يسهل انتهاك حقوق الملكية الفكرية خلالها بلا حسيب ولارقيب نظرا للصعوبة الكبيرة التي تعتري أي إجراء رقابي يتعامل مع هذا الكم الهائل من البيانات والمعلومات المتداولة على أكثر من صعيد في ذات الوقت. بطبيعة الحال، المعالجة في حالة كهذه لا يمكن أن تقتصر على جهة واحدة. التوعية بأضرار ومخاطر إنتهاك الملكية الفكرية وتثقيف المتلقي بالعواقب الوخيمة والخسائر الفادحة التي يتكبدها كافة الأطراف فكرياً ومادياً ومعنوياً قد تساهم في رفع الرقابة الذاتية وتحفيز الجميع على نبذ أصحاب هذا السلوك المشين وإبلاغ الجهات المختصة عنهم لينالوا ما يستحقون من عقاب ومحاسبة جراء سرقة أفكار وجهود الآخرين وانتحالها لأنفسهم بكل جرأة وغياب ضمير. ضعف الوعي يُرجع الكاتب والمترجم أحمد صلاح الدين (مصر) أزمة انتهاك حقوق الملكية الفكرية عبر الفضاء الإلكتروني إلى عدة أسباب، فانتهاك الملكية الفكرية في الدول الفقيرة المتأخرة مثلاً أكثر من الدول الأكثر تطورًا أو مقدرة مادية، لأن فقر أفرادها يحرمهم الوسيلة للحصول على الأشياء بسعرها العادي رغم حاجتهم لها. ويلعب ضعف الثقافة والوعي دوراً كبيراً في ذلك أيضاً، لأن هناك من ينتهك الملكية الفكرية لحاجته لارتداء دور المثقف مثلاً أو من باب الوجاهة، أو لضعف تكوينه وتأهيله الثفافي فيلجأ للاستيلاء على عمل غيره لنيل ترقية أو مكانة لا يستحقها. وهناك من يسرق حقوق الآخرين رغم امتلاكه المال لشراء المحتوى بشكل شرعي. وهناك أمر آخر كنموذج الصين مثلا وغيرها من الدول الأكثر فقراً لكنها تمتلك رغبة في التطور، حيث تغض الطرف عن انتهاكات الملكية الفكرية في سبيل فتح المجال أمام الأفراد والكيانات الاقتصادية الناشئة للتطور والنمو. التوثيق أولًا ويتحدث د.أحمد قران الزهراني حول ضرورة توثيق الحسابات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إذ يقول: "من يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي يعي تماماً أنه ربما يتعرض للسطو على أفكاره وكتاباته بشكل أو بآخر وهنا عليه ألا ينشر شيئاً من أفكاره قبل أن يوثقه بطريقة أو بأخرى ولعل النشر في الصحف الورقية يكون ضمانة لحقوقه الفكرية، على أن وسائل التواصل الاجتماعي لا يعتد بها كمصدر موثوق للمعلومات والأفكار ما لم تكن من مصادرها الرئسية وعلى ذلك كله ليس هناك خوف من تناقل الأفكار مادامت منشورة سابقاً في إحدى المحتويات الإعلامية أو قنوات توثيق الأفكار". ويضيف "ومن يقدم على نشر أفكاره دون توثيقها بأية طريقة فعليه أن يتحمل نتائج إهماله لأن وسائل التواصل الاجتماعي تضج بكل أطياف المجتمع والقيم وبالتالي هناك من يستسهل عملية سرقة الأفكار اعتقاداً منه أنها حق مشاع ومنهم من ينتهكها لعدم وجود رادع قانوني أو لجهله بقوانين النشر، فالمسؤولية تقع على صاحب الفكرة في البدء ثم على الضمير الأخلاقي لدى مرتادي وسائل التواصل الاجتماعي". مرتع اللصوص ويشير الروائي خضير فليح الزيدي (العراق) إلى أن الهواة والمراهقين في الادب أو الفلسفة يسطون على صفحات ومواقع الأدباء الاحترافيين لسرقة أفكار أو مقاطع بعينها, لرواية معرّفة باسم صاحبها أو قصة ما أو نظرية ما وانتحالها ووضع الاسم عليها من دون وجل أو خوف من عقوبة القانون، وقبل عقوبة القانون، هو في ضياع أو انهيار منظومة الأخلاق أو تدني مستواها عند البعض. وينظر "الزيدي" هنا للأمر بشكل مختلف. إذ إنه يجد أن منظومة القوانين الضابطة أو تلك الحافظة من السرقة الفكرية هي في ضعف تلك القوانين من حيث قوة الرد أولاً، ثانياً بعدم تحديث تلك القوانين وتحصينها من السطو. حماية حقوق الملكية الفكرية هي أيضًا كمنظومة تحتاج التحديث في قوانين الرد والنظر لمشاكل السرقات الفكرية كونها من أخطر مشاكل العصر الحديث. سلبيات راجحة وتؤكد الدكتورة هناء علي البواب (الأردن)، إن مواقع التواصل الاجتماعي تحولت إلى مسرح لانتهاكات الخصوصية وسرقة الحسابات مع تزايد اعداد المستخدمين وتنوع توجهاتهم الفكرية. وأمام هذه التقنيات التي أصبحت سلاحاً ذا حدين، وتغزو مجتمعاتنا وبيوتنا وعقول أجيالنا دون استئذان، لابد أن نقتنع أنه بالرغم من فوائدها التي لا تخفى على أحد منا، إلا أن كفة سلبياتها رجحت على إيجابياتها، ولذلك تحظى حقوق الملكية الفكرية في وقتنا الراهن باهتمام كبير في مختلف دول العالم. وتعكس التقارير الصادرة حول أعمال القرصنة الفكرية الجهود الكبيرة التي تبذل من أجل التعرف على مدى التزام أي دولة بحماية تلك الحقوق. إن نشر الوعي حول حماية الملكية الفكرية وتعزيز نطاقها سيؤدي إلى استخدام أفضل لطرق المعلومات.   ملعب ضخم ويصف الإعلامي أحمد الدرع (سوريا)، مواقع التواصل الاجتماعي بالإعلام البديل، وكثير من دول العالم يسميها أيضًا الإعلام الحديث، فهي ساحة كبيرة وملعب ضخم تجد فيه كل شيء ولاعبين من مختلف الأعمار والثقافات وهذا ما يجعلها صعبة الضبط والانضباط. ومن هنا أصبحنا نرى عدم احترام الملكية وانتهاك الحقوق. ويرى "الدرع" ضرورة وجود آلية تجعل صاحب الملكية الفكرية على تواصل مع إدارات مواقع التواصل الاجتماعي لإبلاغهم بأي انتهاك لحقوقه، ورغم أن هذه المسألة ليست سهلة ولكنها تبقى هي الحل الوحيد في هذه الزحمة والفوضى. لكن هل حقوق الملكية الفكرية عبر السوشيال ميديا وخارجه منتهكة في الوطن العربي فقط؟. حراك ضعيف أخيرًا، يتحدث الكاتب أنور إبراهيم (إثيوبيا)، حول تجربة إثيوبيا في محاربة انتهاك حقوق الملكية الفكرية، إذ أنه يؤكد أن الوضع يختلف تمامًا خصوصًا في وسائل التواصل الاجتماعي حيث نجد أنه لا احترام لكاتب المادة أو المصور فكثيرًا من الوسائل الأخرى تلجأ إلى وسائل التواصل كمصادر بديلة للأفراد وخاصة في تتبعها للأحداث. ويتطرق "إبراهيم" إلى تجربته فيقول: "لي تجربة طويلة في أخذ مواد من صفحتي عبارة عن أخبار وصور وخاصة في الآونة الاخيرة. فتجد تلك الجهات لا تذكر المصدر أو اسم الكاتب أو المصور فوجدت كتباً اخذت المواد مني ونسبتها لغيري ومقالات ثقافية نسبت لاخرين. في اثيوبيا يصعب ان تحفظ حقوقك الأدبية والمادية أولا لأن اثيوبيا ليست عضو في منظمة الملكية الفكرية. مجرد حراك قليل لكبار الفنانين والموسيقيين لحفظ الالبومات والالحان والاغاني ومعظم المواد التي تأتي من الخارج فيتم طبعها ونسخها دون الرجوع للمصدر وصاحب الملك، وهي أزمة كبيرة بالطبع.


عرض للطباعة
Share |
أضف تعليق
الإسم : *
البريد الالكتروني : *
الدولة : *
محتوي التعليق : *