فن

محلول

محمد الرياني

لم نكن نعلم – أنا و زوجتي- الطبيبة أننا سنلتقي يومًا في المستشفى لتطعمني بيدها ، فهي طباخة ماهرة إلى جانب كونها طبيبة ماهرة ، تضع يدها في فمي بكل أناقة وكأنها تصنع فيَّ الحياةَ مع كلِّ مرةٍ تُدخلُ يدَها البلسميةَ البيضاء ، في هذه المرة التقينا في مكانٍ مختلف ، لم تكن تعلم أن المعتلَّ الذي جيء به في غيابها إلى الطوارئ هو زوجها، حضرتُ ذابلًا مثلَ قصبةِ ذرةٍ خضراءَ انقطعَ عنها الماءُ على الرغمُ من مرورِ يومٍ واحدٍ على غيابها عن البيت ، مهارتُها تجعلها تُستدعى لحالاتٍ صعبة ، هذه المرةُ فوجئتْ بأن حبيبَها الذي تُطعمُه بيدها مضطرةً لأن تملأَ وريدَه محلولًا لإعادةِ الدفء إلى جسده الواهن ، فتحتُ عينيَّ وإذا بها إلى جانبي ، بدتْ شفتاي في التحرك ببطء لتنطق ، فقالت بهمسٍ وهي تضعُ إصبعَها على أنفها أن اسكتْ ولا أسمع لك صوتًا ، طمأنتْني بابتسامتها الماتعةِ أنَّ الوضعَ على مايرام ، استعدتُ بعضَ قواي بسرعةٍ بعد اقترابِ المحلولِ من النفاد ، حركتُ قدميَّ الاثنتين، أزلتُ الغطاءَ الأبيضَ من على جسدي، هممتُ بالمغادرةِ ولاتزالُ في يدي الإبرةُ التي أرضعتْ أوردتي، تنفستُ الصعداء ، عادت إليَّ لتسألني عما أصابني في غيابها، كانت تسألُ وتستغربُ أنني كنتُ على مايرام ، أمسكتُ بيدها لتطعمني من وجبةِ الغداءِ التي جاءوا بها نحوي ؛ فالوقتُ هو الساعة الثانية عشرة ظهرًا والمستشفياتُ تجعل الطعامَ في أولِّ الوقتِ حرصًا على المرضى، طبقُ السلطةِ الخضراء كان شهيًا، وطبقُ الملوخيةِ هو وجبتي المفضلة كان في غايةِ الخضرة ، صحنُ الأرزِ الأبيض يحركُ المعدةَ بلونه الابيض ، قلتُ لها حان الوقتُ لأَطعمَ من يدك كما كنتِ تفعلين في البيت ، أشارت إلى المرضى الذين ينتظرون المحاليلَ لتعودَ لهم نضارتهم ، دمعتْ عيناي وأنا أسمع بعضَ الأنين فأشرتُ لها بالاستعجالِ ولم تخيِّبْ ظني، اختارتْ قبل أن تذهب إلى مريضٍ آخرَ أكبرَ ملعقةٍ بلاستيكيةٍ في الطبق وملأتْها أرزًا وملوخيةً وأدخلتْها في فمي ثم أتبعتْها بأخرى من السلطةِ الخضراء، فجأةً حضرَ الطبيبُُ المناوبُ على غير عادته ، طلبَ منها بعدما وقَّعَ على أوراقِ خروجي أن أغادرَ معها بعد وعكةٍ مفاجئة ، خرجتُ وهي تمسكُ بي نحو بابِ الطوارئ، اتجهنا نحو البيت ، وعندما وصلنا جلسنا في المدخلِ حيث الطاولةُ المستديرةُ التي تجمعُنا وقد قرَّبتْ طبقًا أبيضَ يشبه طبقَ المستشفى وشرعتْ تطعمني ، أظهرتُ لها بعضَ الألمِ والأنين، قالت لي صمتًا وإلا أعدتُك إلى الطوارئ وأنشبتُ في وريدك إبرةَ التغذية، وضعتُ يدي على منتصفِ ساعدي وقد ارتسمَ على وجهي منظرُ الشحوبِ وأنا أتحسسُ موضعَ الإبرة ، هدأ روعي والوجبةُ في طريقها لأن تنتهي ، رجوتُها أن تجعلَ غرفتي عيادةً مثل عيادتِها، هزتْ شفتيْها بابتسامةِ الموافقةِ وهي تضعُ آخرَ لقمةٍ زادتْ عن الطعامِ في فمي ، التهمتُها وأنا واقفٌ عند المرآةِ التي أنظرُ فيها إلى وجهي كلَّ يوم ، وقفتْ ورائي تسألني عن رأيي في طَعمِ المحلولِ الوريدي، كاد لونُ وجهي أن ينطق .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى